Tag Archives: مدونة الدكتور عبد الغني عماد

“قسطنطين زريق المفكر القومي العربي” لعبد الغني عماد آمن بالحرية طريقاً للوحدة العربية

بقلم لامع الحر

   الكلام على قسطنطين زريق  يمثل عودة فاعلة وحقيقية إلى مرحلة التيار القومي العربي الذي تصاعد وهجه يوماً بعد يوم، إثر مرحلة جمال عبدالناصر التي ألهبت المشاعر وعقلنة المبادىء، وأعطت دفعاً للحركات الثورية في مختلف أقطار الوطن العربي.

   وقسطنطين زريق اسم لمع في فضاء الفكر العربي كرائد كبير تعلّم منه القادة والرؤساء، وانتشرت أفكاره بين الشباب العربي المتطلع إلى بناء المستقبل على أسس علمية راسخة.

   كان زريق يعتمد على العقل في كل ما كتب، وكان يرى ان لا سبيل للدخول في العصر إلا عبر الحداثة المبنية على المعرفة والثقافة، وعلى ضرورة تحويل الأفكار إلى أفعال، تنحفر عميقاً في الأرض وتغير على هواها.

   كان هذا المفكر صاحب عقل نيّر، ورؤية ثاقبة وكان رجلاً ديناميكياً، بكل ما في الكلمة من معنى. وأذكر انني دُعيت مرة إلى مؤتمر ثقافي في القاهرة، شارك فيه عدد من المثقفين اللبنانيين والمصريين والعرب، ولم يكن اسم قسطنطين زريق بينهم، وبعد يومين تقريباً من افتتاح المؤتمر، يأتي إلى مكان انعقاده، ويشارك ويناقش كل شاردة وواردة فيه، وهذا ما أسهم في احتدام المناقشات وإغنائها واعطائها بعداً علمياً مرموقاً، وبعداً معرفياً ملحوظاً.

   واليوم يستعيد الدكتور عبد الغني عماد ضمن سلسلة ((سير وأعلام)) الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية هذا المفكر الكبير عبر كتيّب بعنوان: ((قسطنطين زريق الداعية والمفكر القومي العربي)) ويتضمن المواضيع التالية: سيرته ونشأته، مؤلفاته، المفكر والمؤرخ المتميز، المفكر القومي والمنظّر الوحدوي الرائد، الدين والقومية، التراث القومي، النخبة القومية، التربية القومية، العقلانية، الحرية هي الطريق إلى الوحدة، فلسطين، والعبور إلى الديموقراطية.

   زريق واحد من الذين أسهموا في تطوير الكثير من المفاهيم السياسية والاجتماعية التي راجت في الوطن العربي ولاقت قبولاً واسعاً في مختلف الاوساط الثقافية والفكرية. وتمكن من تأسيس منهج فكري واضح، سار على هداه جمع غفير من المؤمنين بالقومية العربية، وبالمستقبل العربي.

   أسهم زريق في ((بناء الأرضية الفكرية والايديولوجية التي انطلقت منها كبرى الحركات القومية على امتداد الوطن العربي في تاريخه الحديث)) ويذكر الكاتب عماد أن ((تأثيره كان بارزاً في نشأة حركة القوميين العرب تحديداً. وكانت جمعية العروة الوثقى وهي الجمعية الأدبية العلمية العاملة في الجامعة الاطار العلني التي انطلقت فيها أفكاره، وفيها تحلّق حوله الطلاب، وذاعت شهرته في الوطن العربي)).

  يقسّم الكاتب مؤلفات زريق إلى ثلاث مجموعات، الأولى تتخذ الطابع الأكاديمي البحت. وتقوم على ((الترجمة والتحقيق التاريخي لمخطوطات نادرة في التراث العربي والاسلامي)) وتضم ستة كتب ومجلدات تتناول موضوعات متنوعة. وكان أبرزها ((تحقيق ونشر تهذيب الأخلاق لـ ((أحمد بن مسكويه)) الذي ترجمه إلى الانكليزية أيضاً.

   والمجموعة الثانية تضمّ أربعة كتب وهي: ((الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المنفتحة في الشرق العربي)) الذي صدر عام 1939، وهذا الكتاب هو الذي أطلق اسم قسطنطين زريق في مختلف أصقاع الوطن العربي، والكتاب الثاني صدر عام 1957 بعنوان ((أي غد؟ دراسات لبعض بواعث نهضتنا المرجوّة)) أما الكتاب الثالث فقد صدر عام 1963 بعنوان ((هذا العصر المتفجر: نظرات في واقعنا وواقع الانسانية)) وآخر كتاب له ضمن هذه المجموعة فقد صدر عام 1966 ((أعظم من منتصرين)) ويتضمن مجمل الخطب التي ألقاها في مناسبات مختلفة.

   وتضم المجموعة الثالثة الكتب التي تضم موضوعاً واحداً وبشكل متكامل.. وأول كتاب كان بعنوان ((معنى النكبة)) الذي صدر عام 1948 وانتشر واسعاً لأنه تلافى الكلام العاطفي، مركزاّ على المقاربات العقلانية التي تميز كتابته ومنهجه في التعاطي مع مختلف المسائل التي يتناولها. أما الكتاب الثاني فقد كان بعنوان ((نحن التاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التاريخ وصنع التاريخ)) الذي أصدره عام 1959. أما ثالث كتب هذه المجموعة فهو ((في معركة الحضارة: دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري)) وقد أصدره عام 1964. ويأتي الكتاب الرابع الذي أصدره عام 1977 بعنوان ((نحن والمستقبل)) وفيه يتناول مسألة الانخراط في المستقبل انخراطاً كاملاً من حيث الشكل والمضمون.

   يتميز زريق بقدرة فائقة على استشراف المستقبل. وهذه القدرة جزء من عملية التأريخ الوطني والسياسي والحضاري، وهو في عملية التأريخ لم يكن يعمل على إثبات الأحداث كما هي، بل كان يسعى إلى تعليلها ويطرح الأسئلة. وهذه الطريقة ساعدته كثيراً في اكتشاف معالم المستقبل.

   واهتم هذا المؤرخ الكبير أكثر ما اهتمّ في الوصول إلى الحقيقة، مهما كانت كلفتها، ومهما كان ثمنها. ثم عمل على إعلانها أمام الملأ، لتكون ثمرة الجهد العظيم الذي قام به.

   هذا ولا يعتقد زريق أن التاريخ دولاب وأن ما حدث في الماضي سوف يتكرر في المستقبل. لكنه يقرّ بضرورة معرفة ((الاتجاهات)) في الماضي، لأنها تسهم في معرفتنا، وبشكل أفضل لمختلف المشكلات القائمة في عصرنا الراهن.
أما كتابه ((الوعي القومي)) الذي أصدره في أواخر الثلاثينيات فقد جاء رداً على الافكار الاقليمية المنعزلة، ورداً على التفكير الطائفي والعائلي والمناطقي لصالح الفكرة القومية العربية التي لم تكن سائدة آنذاك، ولم تكن مقبولة من كثيرين. ذلك ان الزعيم الوطني المصري سعد زغلول عندما سئل عن الوحدة العربية أجاب:

صفر زائد صفر يساوي صفراً. ولهذا لم يتجاوز نضاله الحدود الاقليمية ولم يتعدّ المفاهيم الضيّقة التي كانت سائدة في ذلك الزمن.

   ويشير الكاتب عماد بأن هناك من تأثّر بهذا الاصدار المهم، ومنهم العلامة الشيخ عبدالله العلايلي الذي أصدر ((دستور العرب القومي)) وعلي ناصرالدين الذي أصدر ((قضية العرب)).

    ورأى مبكراً أن نهضة العرب القومية تحتاج إلى نهضة فكرية تسبقها أو في أحسن الحالات تلازمها. لأن النهضة تحتاج إلى نهضويين مؤمنين بفكر النهضة، مقتنعين به، وعاملين على تحويله من أفكار نظرية إلى ممارسات عملية على صعيد الواقع. وهذا يتطلب وجود عقيدة قومية تجمع في صفوفها كل أبنائها الميامين. وتشكل حالة انبعاث لهذه الأمة، فتخرج من القمقم، لتسهم في بناء الحياة، وتنقلنا من الظلمة إلى النور.

   وإذا كانت هناك أيديولوجيات تقوم على أساس نفي الدين، أو على اتخاذ موقف سلبـي من الدين، فإن العقيدة القومية لدى زريق متصالحة مع الدين، ومنفتحة على كل الافكار في العالم، تأخذ منها وتعطيها لتظل في عملية توليد، تسهم في تنشيط الحركة، وفي اعطائها المزيد من الدفع والزخم، ولهذا القومية العربية بشكل عام تتعاطى مع الاديان بشكل إيجابي، باعتبارها المعين الروحي الذي ينعكس قوة على كل من آمن بضرورتها وجدواها. يقول: ((القومية العربية لا تعارض ديناً من الأديان بل تقبل على الاديان جميعاً لترتشف من منابعها الفياضة كؤوس الصفاء والقوة والخلود)).

   وزريق المفكر المسيحي، البعيد كل البعد عن الشعور الطائفي، على اعتبار ان القومية العربية تندرج ضمن إطارها الواسع كل الاديان، فقد كتب بحثاً قيماً ((بمناسبة مولد النبـي العربي الكبير، لاقى صدى إيجابياً واسعاً في مختلف الأوساط الديني وغير الدينية، وسار على هديه مفكر مسيحي آخر هو ميشيل عفلق الذي قدم محاضرة شهيرة حول الموضوع نفسه، حازت على الإعجاب والتأييد الذي لا يخلو من الابهار، كما ذكر الكاتب عماد.

   زريق علماني لكنه مؤمن. وتمكن برجاحة عقله أن يبعد القومية عن المواجهة مع الأديان. لكنه كان يرى ان هناك ضرورة قصوى للعمل على تكريس علمانية الدولة، انطلاقاً من مكونات هذه الأمة المتنوعة.

    وأدرك المفكر الكبير زريق انه ليس هناك مشكلة بين المسيحية والاسلام، أو بين هذه الجهة الدينية أو تلك، بل الصراع هو بين تيارين: ((الرجعية والتحررية)).

وركز الدكتور زريق على دور النخبة في إحداث عملية التغيير، وفي الانتقال بالمجتمع من حالة إلى حالة أفضل ورأى ((ان المثلث الذي يقوم على العقيدة والتراث والتربية غير قادر بحد ذاته على التحرك، ونقل المجتمع من وضعه الراهن إلى حالته المرجوّة، لأنه يتكوّن في الأساس من عوامل غير متحركة، وهو ((يختاج لكي يصبح حالة فعالة وديناميكية إلى قوة من خارجه تعمل على تنشيطه وعلى توجيهه واستغلال للطاقات الكامنة)).

    من هنا تأتي أهمية الكلام على النخبة التي جعل منها مفهوماً ((يساوي المفاهيم الأخرى كالقيادة والطليعة والخبرة والرسل والصحابة وما إليه، فهذه المفاهيم تشير إلى أقلية متميزة هي المسؤولة بقدراتها الابداعية عن قيام الحضارات)).

   ويرى زريق حسب ما قال عماد ان نظام التربية العربية المتخلّف والسائد اليوم في مختلف الدول العربية يؤدي إلى تفاقم المشاكل العربية ولهذا لا بد من العمل لكي تصبح التربية عامل تقدم، وليس عاملاً يؤدي بنا إلى استمرار التخلّف. وتركيزه الكبير على الناحية التربوية يذكر بالمفكر القومي الكبير ساطع الحصري الذي أولى هذه المسألة أهمية بالغة.

   وفي معرض كلامه على العقلانية رأى الدكتور زريق ((ان الأمة التي تهزأ بالعقل وتهمله يحق عليها لا عليه الهزء والإهمال والخسران)). فالعقل هو السبيل الوحيد إلى صنع التقدم، وإلى صنع المستقبل، وإلى الانصهار في المعاصرة، والعمل على صنع الحياة التي نريد، على الرغم من كل التحديات التي تقف عائقاً أمام الوصول إلى ما يحقق طموحاتنا، وشوقنا الغامر إليها.

   فالعقل العربي في الماضي كان قاصراً. أو فلنقل ان أمتنا العربية لم تمنح العقل ما يستحق من الانتباه، ولم تضعه في أول أولوياتها، فنتج عن ذلك عدم قدرتنا على مسايرة المدنية في مختلف أصقاع الوطن العربي.

و((ضعف العقلانية في الحياة العربية أدّى إلى غياب الروح العلمية وطغيان الاهتمامات الأدبية على الحياة الفكرية)) ذلك ان وجود العلم الطاغي وهيمنته على الحياة يحقق الحرية ويدفع المجتمع أشواطاً كبيرة إلى الأمام.

   والعلم القائم على الأبحاث المدروسة بعناية فائقة، ينتج عنه حقائق موضوعية، لا نستطيع تجاهلها أو إهمالها، لا بل علينا أن نستفيد منها في دراستنا للواقع، وفي رؤيتنا الجادة للمستقبل.

   ولهذا يخصص العدو الإسرائيلي ميزانية كبيرة للبحث العلمي، في حين اننا كأمة عربية لا نعير هذا الشأن ما يستحق من الاهتمام. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على قصور في الرؤية، وفي معرفة أهمية هذا الأمر في تطوير حياتنا المعاصرة.

    كذلك يشير الدكتور زريق إلى اننا نهجّر الكثير من الطاقات العلمية والفكرية إلى الخارج فيستفيد منها الغرب إفادة جمّة. بينما يعمل الكيان الصهيوني على استعادة علمائه وباحثيه من أقاصي الأرض، ليستفيد من علمهم وكفاءاتهم.
ويرى الدكتور زريق ان الحرية الكاملة هي الطريق إلى الوحدة العربية لكن أمامها عقبات كأداة حالت دون قيامها ومنها ((العصبيات القبلية والطائفية والقطرية، ومنها الجهل والعجز والبؤس وسواها من مظاهر التخلّف الاجتماعي، ومنها أيضاً ضعف القيادات وتناحرها وسعيها إلى أغراضها الخاصة)).

   والتجارب الوحدوية في الوطن العربي غير مشجعة وكلها باءت بالفشل، ولا بد لنا إلا أن نستثني في هذا الإطار التجربة اليمنية التي تحققت وحدتها بقوة السلاح، وما تزال قائمة إلى اليوم على الرغم من ما يسمى بـ((الربيع العربي)) الذي أباح كل ما هو محظور لكن لم يصل به الأمر إلى أي تغيير، على هذا الصعيد.

   ولا بدّ إلا أن نشير إلى ان العوامل الذاتية التي ذكرها الكاتب كلها صحيحة ومهمة، لكن علينا ألا ننسى أيضاً ان هناك عوامل خارجية تتمثل بموقف الامبريالية والرجعية العربية والصهيونية من الوحدة وخير مثال على ذلك تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 بقيادة جمال عبدالناصر، التي اجتمع عليها الاعداء من كل حدب وصوب حتى أجهضوها، ولهذا يرى زريق ((إن إقامة الوحدة العربية عمل إبداعي ولا يقوى عليه إلا مجتمع خليق بالابداع. والانتقال إلى هذا المجتمع لا يتم إلا ببناء القدرة الذاتية التي تعني القدرة على الصمود في وجه الاخطار الخارجية)).

واهتم الدكتور زريق اهتماماً بالغاً بفلسطين. ولهذا كان يحذر العرب دائماً من الخطر الصهيوني الذي يهدد الأمة العربية برمتها، ويعمل على نهب ثرواتنا القومية.

ويرى ان هناك فارقاً كبيراً بين المجتمع الصهيوني القائم على أسس الحضارة الحديثة وبين المجتمعات العربية اللاتي ما تزال تعيش في القرون الوسطى وتحنّ إلى الماضي، وتجافي كل ما هو حديث.

ولن يتحقق الانتصار على العدو الصهيوني إلا إذا عمل العرب ((على بناء المحتوى الحضاري لكيانهم، إلى جانب معركة الحفاظ على النفس وإقامة الكيان، ولأن المعركة الأولى موجهة ضد التخلّف الحضاري بجميع أوجهه)).

قسطنطين زريق كاتب مهموم بالقضايا العربية، قضى حياته وهو يعمل من أجل تعزيز المفاهيم التقدمية الحديثة التي من شأنها نقل المجتمع العربي إلى المعاصرة.

    ((قسطنطين زريق الداعية والمفكر القومي العربي)) للدكتور عبد الغني عماد كتيّب يبين أهمية هذا الباحث المفكر الذي ظل ثابتاً على المفاهيم التي نادى بها، وتربت عليها أجيال من شبابنا وشاباتنا، وأضحت جزءاً أساسياً من الكينونة العربية، الباحثة دائماً عن المستقبل الذي نريد من خلال التزامها الصارم بالقيم العربية، وبالحضارة العربية في صراعها المرير والصعب مع الصهيونية.

    أعاد الكاتب عماد المفكر والمؤرخ زريق إلى الذاكرة العربية وإلى حاضرنا الممجوج، لعل بعضاً من الشباب يقرأونه ويتأثرون بما أرسى من مبادىء ومفاهيم وقيم.

    وزريق سيظل حاضراً في حياتنا العربية ما دامت الفكرة العربية متّقدة، ومشتعلة على الرغم من السيادة المطلقة للأفكار الانهزامية التي تقوم على العزلة والاقليمية والتقوقع.

لامع الحر

نُشرت في مجلة الشراع، العدد 1574، الاثنين كانون الأول/ ديسمبر 2012

التعليم الديني في لبنان: الإشكاليات والمحددات بقلم الدكتور عبد الغني عماد

 

التعليم الديني في لبنان:

الإشكاليات والمحددات

 

                                                            الدكتور عبد الغني عماد

                                                             أستاذ العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية

 

   إستقطب موضوع التعليم الديني في لبنان إهتماماً بالغاً تجاوز الجانب التربوي ليطال أبعاداً سياسية تتعلق بهوية لبنان ودوره في المنطقة، فضلاً عن إرتباطه بإشكالية التربية والتعليم برمتها في نظام متنوع ومتعدد طائفياً ومذهبياً. ولهذا الأمر بطبيعة الحال علاقة مباشرة بالجدل الذي يثيره بشكل دائم التشكيل البنيوي للسلطة في لبنان والقائم على توزيع دقيق وتوازنات تعكس أحجام الطوائف اللبنانية داخل النظام السياسي والمستندة الى مكونات الاٍجتماع الأهلي والسيوسيولوجي للمجتمع اللبناني الذي يرفد هذه التركيبة السلطوية بالكثير من مقومات إستمرارها على مستوى الطوائف التسع عشر المعترف بها.

    والواقع إن إشكالية التعليم الديني في لبنان تعود بجذورها الى العهد العثماني، حيث كانت الطرق التقليدية في إكتساب العلم التي درج عليها علماء بلاد الشام لا تزال صلبة، وهي بطبيعة الحال لم تكن تميز او تفصل بين ما نسميه تعليماً دينياً وتعليماً غير ديني، فمثل هذا التقسيم لم يكن وارداً على الإطلاق وقد حافظ نظام التعليم الأهلي- المحلي على تماسكه، ولعب الدور الرئيسي فيه اسلوب نقل المعرفة التلقينية الشفوية من الاستاذ الى تلميذه، وكان العلماء يفاخرون بأسماء أساتذتهم الذين نالوا على أيديهم الإجازات في قواعد اللغة العربية، البلاغة والبيان والمنطق والحديث والفقه والتصوف والهيئة. وفيما بعد كان أبناء العائلات الميسورة يرسلون أبناءهم الى إستنبول او الى الأزهر للإستزادة منها، ولتأكيد الحصول على المنصب المناسب. لم يكن التعليم محصوراً في مدارس محددة في بلاد الشام، فبالإضافة الى الجامعين الأساسيين في حلب ودمشق، كانت توجد مدارس هامة في الولايات، في طرابلس وصيدا والقدس ونابلس وحمص وحماه وإدلب وبعلبك وعكا[1].

     في كل الأحوال يمكن القول إن النظام المدرسي بشكل عام قد إنتظم في حركة ثلاثية الأبعاد: طلب العلم- الوظيفة- إعادة نقل العلم، وتشبه هذه الحركة ما نجده في طوائف الحرف. وكان تمويل هذه الحركة في الغالب يقع على عاتق المؤسسة الوقفية التي كانت تنفق كما ينبغي على المدارس ودور “الكتاب” وبحسب إمكانيات الوقف. إلا أن مدارس تحفيظ القرآن حققت أغراضها في الواقع، إذ إنها وفرت الوسيلة التي تمكن أطفال المسلمين في المدن والقرى من التعرف على النصوص المقدسة ولقنتهم بالتالي كيفية تأدية طقوس صلواتهم. مع ذلك بقي الأمر مرتبطاً بشكل أساسي بسخاء الأفراد، وإن كان الحكام قد أنشاؤا ومولوا بعضاً منها، وهذا يعني أن مصير الكثير من المدارس يرتبط بريع الأوقاف، وهذا ما يفسر التدهور الخطير الذي أصاب الكثير من المدارس وإغلاق بعضها في ولايات الشام، ومنها بطبيعة الحال لبنان بدءاً من القرن الثامن عشر.

   في الفترة السابقة للقرن التاسع عشر كانت المراكز الدينية من مساجد وكنائس هي الإطار الحاضن للتعليم، فارتبطت الدراسة بمراكز العبادة، وكان رجل الدين هو المعلم، والمواد الدينية غاية التعليم، يلحقها بعض المواد التي تَصُبّ في خدمتها، ومن أراد استكمال دراسته الدينية من المسلمين قصد النجف أو الأزهر، أما المسيحيون فكانوا يؤمون روما[2]. ولم يخرج عن إطار المؤسسات الدينية في التعليم إلا بعض المدارس التي تأسست في عهد المماليك لدى السنّة والشيعة، وبعض المعاهد التعليمية في بعض الأديرة للموارنة والروم والكاثوليك، مثل عين ورقة وعين تراز، ولكن ما يمكن أن يقال إن مسلمي طرابلس وصيدا وبيروت كانوا يعتمدون على الكتاتيب التي كانت تُعلّم الصبية قراءة القرآن والكتابة، وفي ما عدا ذلك كان الجهل سائداً في مناطق الجبل.

    في الوقت نفسه أدى نظام “الملل” الذي إعتمدته الدولة العثمانية الى تعزيز قبضة رجال الدين غير المسلمين على أبناء دينهم عموماً. ويبدو أن تشدد تنظيم “الملل” في إطار الإدارة العثمانية هو الذي يفسر في الواقع توسع هذا الهامش بدءاً من القرن الثامن عشر حيث إستفادة منه الإرساليات التبشيرية والمدارس الأجنبية وخاصة في لبنان.

الإرساليات الأجنبية في لبنان من التبشير الى التعليم:

   فقد إنتشرت المدارس الأجنبية والإرساليات في جبل لبنان وبيروت، سواء منها الاوروبية ( فرنسية، إنكليزية، إيطالية، إلمانية …) او أميركية، فعرفت بيروت حركة ثقافية وتعليمية منتعشة شاركت فيها المدارس الأهلية المسيحية المرتبطة بالإرساليات التبشيرية الأجنبية، وبلغت هذه الحركة أوجها مع تأسيس “الكلية السورية الإنجيلية” سنة (1283هـ1866م) “الجامعة الأميركية” منذ سنة (1340هـ1921م) وجامعة القديس يوسف (اليسوعية) سنة (1292هـ1875م) وجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية سنة (1295هـ1878م).

  ولعل المدرسة الوطنية التي أنشأها المعلم بطرس البستاني في بيروت (1280هـ1863م) هي المدرسة الأهلية الوحيدة، التي أسسها أحد المسيحيين دون إرتباط بالسياسة التبشيرية الأجنبية، فكما يشير إسمها، هي ذات توجه وطني غير ملتزم بإتباع دين معين. لكن هذا لم يمنع هذه المدرسة من أن تفرد للتعليم الديني المسيحي مجالاً خاصاً في برنامجها ، فقد كانت الدراسة فيها تبدأ كل يوم بتلاوة من الإنجيل على غرار ما كان يجري في المدارس التبشيرية[3].

    كانت السياسة التبشيرية الأجنبية، تشجع كل طائفة مسيحية على تأسيس جمعية ومدارس خاصة بها على غرار المدارس الأجنبية. وبذلك تأسست المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك على يد المطران غريغوريوس الأول سنة (1282هـ1865م) وأنشأ المطران يوسف للموارنة مدرسة الحكمة سنة (1292هـ1875م) وأسس الروم الأورثوذكس في الأشرفية ببيروت مدرسة الثلاثة أقمار سنة (1283هـ1866م) ومدرسة زهرة الإحسان سنة (127هـ1880م).

     وهكذا بدأ دور الإرساليات التبشيرية الأجنبية، وفي طليعتها الفرنسية، فنقل الآباء اليسوعيون “معهد اللاهوت” الذي أسس في غزير سنة (1262هـ1846م) الى بيروت سنة (1292هـ1875م) فكان النواة التي نشأت حولها جامعة القديس يوسف (اليسوعية) وتبعتها المدارس المختلفة. أما راهبات القديس يوسف القادمة من مرسيليا، فقد شرعت منذ سنة (1262هـ1846م) بإنشاء مدارس بأقسام داخلية وخارجية ومياتم ومؤسسات خيرية في بيروت وغيرها من المدن والقرى. ثم قدمت راهبات الناصرة من ليون سنة (1293هـ1876م) ثم راهبات العائلة المقدسة، فراهبات الراعي الصالح، وراهبات المريميات الوطنيات التي كان مقرها بكفيا وتأسست سنة (1270هـ1853م) وكلها أنشأت مؤسسات تربوية وتعليمية.

    وفي سنة (1277هـ1860م) جاءت الإرسالية الإنكليزية، وأسست لها مدارس للبنين والبنات من بينها مدرسة لتخريج المعلمات، فضلاً عن مدارس زحلة وبعلبك وعين زحلتا وحاصبيا وشملان. وجاءت في السنة نفسها الراهبات الروسيات (الإلمانيات) وأسسن مركزاً في صيدا، ومن ثم إنتقلن الى بيروت. أما الإرسالية الأميركية (الإنجيلية) فهي أول من إقتنعت بفشل سياسة التبشير الديني المباشر ضمن الأديرة المغلقة والمنعزلة، فعمدت الى إنشاء المدارس وتأسيس المطابع ونشر الكتب والمجلات، وتوجت عملها بتأسيس الكلية السورية الإنجيلية سنة (1293هـ1866م).

    حدث شىء، مشابه في طرابلس، وإن كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات. فقد شهدت المدينة أول إرسالية كبوشية عام(1629م) ثم جاء بعدهم اليسوعيون (1650م) والعازاريون (1783م) إلا أن أعمالهم تركزت على التبشير وبناء الأديرة بداية، ومع بدايات القرن التاسع عشر شهدت المدينة ما يشبه الإقتحام المنظم لمدارس الإرساليات الأجنبية والتي بلغ عددها حوالي ست عشرة مدرسة بما يتجاوز بكثير ثلثي حاجة سكان المدينة التي يقطنها حوالي (17ألف نسمة تقريباً)[4] .

    قدمت هذه الإرساليات من خلال مدارسها مناهج حديثة في التعليم، فتضمنت مناهجها تنوعاً في المواد والعلوم من لغات وبعض مبادىء الحساب والتاريخ والجغرافيا الى علوم ورياضيات، وهي كانت تخضع للتطور بشكل دائم بما يلبي متطلبات المجتمع الوليد وحاجته الى كادرات حديثة تلبي الإحتياجات والشروط الإجتماعية الطارئة والتي لم يعد التعليم التقليدي ممثلاً بالكتاب والحلقات الدينية قادراً على تلبيتها.

   كان التعليم الديني في مدارس الإرساليات يتم الى جانب باقي العلوم جنباً الى جنب، والواقع ان هذه الصورة تبين بوضوح إن شيئا يشبه الاجتياح الثقافي والتعليمي يحدث بصورة منتظمة تحت سمع وبصر الدولة العثمانية. فمدارس اللإرساليات وان كانت موجهة بصفتها الدينية في الدرجة الاولى لتأطير الطوائف المسيحية وتأهيلها للإندراج في بنية النظام الرأسمالي الحديث من جهة، وتحصين كينونتها كأقليات في هذا الشرق من جهة اخرى، إلا أن تأثيرات ذلك كانت خطيرة على أرض الواقع، فقد هيمن التعليم الحديث الذي قدمته الإرساليات والمدارس الاهلية المسيحية على نظام التعليم ككل في لبنان لفترة طويلة من الزمن، وراح الكثير من أبناء العائلات الميسورة، من المسلمين، ومن ابناء الامراء والاقطاعيين والحكام قبلهم منذ القرن الثامن عشر، يرسلون أبناءهم للتعلم في هذه المدارس، وقد تأثر بالفعل العديد من هؤلاء، وتنصرت شرائح وعائلات او أقسام منها على الاقل.

عصر التنظيمات ومحاولات الاصلاح:

 بقي وضع المسلمين في لبنان على المستوى التعليمي محافظاً على صورته التقليدية الى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا، اي الفترة التي عرفت بعصر ” التنظيمات”. ويمكن رصد مؤشرين في هذا المجال:

1-صدور قانون المعارف العثماني سنة 1869 الذي أكد على إلزامية ومجانية التعليم الإبتدائي من ناحية وإشتمل على مسوغات قانونية للتنصل منها من ناحية ثانية[5].

2- إعلان دستور سنة 1876 والذي أشار فيه السلطان عبد الحميد الثاني لاول مرة الى أهمية التعليم والثقافة في المجتمع[6]. والذي جاء في بعض مواده : إن التعليم حر، وكل عثماني مرخص له بالتدريس العمومي والخصوصي بشرط مطابقة القوانين (مادة 15 ) وإن جميع المكاتب هي تحت نظارة الدولة وسيصير النظر بالوسائل التي من شأنها جعل تعليم التبعة العثمانية على نسق واحد لا تمس اصول التعاليم الدينية عند الملل المختلفة (مادة 16) وان التعليم الإبتدائي يجعل إجباريا على كل فرد…

      لم تكن التنظيمات وحركة الإصلاح العثماني نتيجة رغبة شخصية من السلطان، بل سبقتها ومهدت لها مجموعة عوامل إجتماعية وسياسية داخلية على مستوى السلطنة العثمانية وخارجية تمثلت بسلسلة هزائم وتراجعات أصابت هيبة الدولة بالصميم. من هنا جاءت محاولات الإصلاح بالإنفتاح على اوروبا تدريجياً، ومع ذلك لم تسلم من معارضة حادة في الداخل متلّها تحالف الانكشارية ورجال الدين ( في حالة سليم الثالث مثلا ) استطاعت إجهاض الإصلاحات التي قام بها. لذلك تأخرت حركة الإصلاح فعلياً حتى أواسط القرن التاسع عشر كي تثبت اقدامها، لكن الحداثة الاوروبية كانت قد بلغت درجة عالية من التطور والتقدم، وكانت السلطنة العثمانية في المقابل قد دخلت في مرحلة الشيخوخة والمرض حتى اطلق عليها “الرجل المريض”، وباتت معها مرتعاً للاطماع والتدخلات السياسية والإقتصادية والإستعمارية، مما جعل ” الإصلاح ” للمحافظة على مركزية الدولة والسلطنة ومنعها من الانهيار مهمة مستحيلة[7].

     من هنا يمكننا أن نفهم الصفة العسكرية للمدارس الاولى التي باشرت الدولة العثمانية في إنشائها مقصرة إياها على العاصمة ومراكز الولايات، ويؤكد د. عبد العزيز محمد عوض هذه المعلومات فيشير الى انه اعتباراًُ من 1875 تأسست مدارس رشدية عسكرية متفرقة كي تحضر للقبول في المدارس العسكرية العالية والكليات، وفي عهد عبد الحميد تأسست المدارس الرشدية في مراكز 29 ولاية و6 متصرفيات مستقلة وفي مراكز عدد كبير من الاقضية كي تحضر للمدارس الإعدادية.[8] كانت هموم الدولة العثمانية في مكان آخر لا علاقة له بما يجري في بنية الإجتماع الأهلي اللبناني وحراكه التربوي والثقافي وتأثيرات ذلك كله على الهوية الثقافية لهذا الاقليم على المدى البعيد. فردة الفعل العثمانية امام هذا الطوفان التربوي للإرساليات في بيروت وجبل لبنان وفي طرابلس وصيدا، كانت بعدد محدود من المدارس الحديثة التي أنشأتها، منها أربع مدارس للبنين ومثلها للبنات، فضلاً عن مدرسة رشدية ملكية في محلة السمطية (1283هـ1866م) ومدرسة رشدية عسكرية (1294هـ1877م) ذاعت شهرتها بعد انتقالها الى المبنى القرميدي المعروف في بيروت في حوض الولاية سنة (1305هـ1887م) ومدرسة سلطانية سنة (1301هـ1883م) وبعض المدارس الاخرى التي أتت تباعاً وجلّها بمبادرات أهلية في بيروت والمدن اللبنانية كطرابلس وصيدا.

     مواجهة الهجمة الثقافية والتربوية قامت بشكل رئيسي على عاتق المجتمع الاهلي الإسلامي. فكانت سلسلة من المبادرات اولها مع مدرسة جامع الامير منذر (النوفرة) سنة (1275هـ1860) والمدرسة القادرية وروضة المدارس سنة (1281هـ1871م) ومدرسة الشيخ عبد الباسط الأنسي في بيروت 1875م.

    وتبقى اهم هذه المدارس الاهلية الإسلامية، هي التي ظهرت مع تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت (غرة شعبان 1295هـ31تموز1878م) والجمعية التي تحمل نفس الاسم في صيدا في (26 ربيع الثاني1296هـ 10نيسان1879م) وفي النبطية (1317هـ1899م) دون اغفال الدور المميز للكلية العثمانية الاسلامية التي اشتهرت منذ تأسيسها (1313هـ1895م) بإسم مؤسسها الشيخ أحمد عباس الازهري، فضلا عن الجمعية الخيرية الإسلامية ودورها الرائد في التعليم الحديث لابناء المسلمين في طرابلس والشمال اللبناني منذ العام (1879م) والتي منها ولدت كلية التربية والتعليم الإسلامية ذات الشهرة في العالم العربي والاسلامي.

النهوض الاسلامي في لبنان:

     يمكن القول أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد نهوضاً في مدن ساحل الشام، ومن ضمن ذلك الحياة العلمية والدينية، وكان اساس ذلك حركة السكان وتنقلاتهم، ففي ذلك الحين كانت طرابلس لا تزال ولاية تتبعها الوية وأقضية، إلا ان صيدا فقدت صفة الولاية في المقابل صارت بيروت ولاية منذ العام 1888. وكان الحراك الإسلامي اللبناني في توجهه العام نهضوي التطلع وتنويري الاتجاه، وقد مثل كتابا الشيخ حسين الجسر: الرسالة الحميدية، الحصون الحميدية، محاولة نهضوية توفيقية بين متطلبات الإعتقاد السني التقليدي ومتطلبات الحداثة او العصرية كما سماها هو. وقد تأثر الشيخ رشيد رضا ابن بلدة القلمون القريبة من طرابلس بهذا الفكر النهضوي، إلا انه ما لبث ان تجاوز ذلك الى طموح اكبر، فذهب الى مصر للإ لتحاق بالشيخ محمد عبده، فأنشأ هناك مجلة المنار عام 1899 التي ظلت تصدر حتى العام 1935 وصارت سيدة المجلات الإسلامية في العالم كله.

     في بيروت إختلفت المقاربة النهضوية، فقد اراد الوجهاء البيروتيون برئاسة الشيخ عبد القادر قباني أن تكون مقاربتهم تربوية بشكل مباشر، بشكل مختلف عن المسارالذي إتخذته مدرسة الجسر في طرابلس، فقد أرادوا القيام بنهضة في مجال التعليم المدني العام، متخذين من مدارس الإرساليات التي قامت لدى المسيحين اللبنانين مثالاً، وذلك بهدف الحفاظ على الهوية الإسلامية العامة.

     وهكذا ومع نشوء الكيان اللبناني عام 1920 كان هناك نوعان متواضعان، ولكنهما ثابتان من وجوه النهوض لدى المسلمين: النهوض الديني الإصلاحي في نظامي محمد عبده والجسر والذي ضمهما معاً محمد رشيد رضا. والنهوض التعليمي المدني الذي قادته جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ومدرسة الشيخ احمد عباس الازهري. وكلا الامرين إتخذ من مصر وجهة له، اي النهوض الديني والنهوض التعليمي.

    إقتضى ظهور الكيان اللبناني وبروز بيروت كعاصمة ان تقوم مؤسسات دينية جديدة تتركز فيها، ومن ضمن ذلك منصب مفتي الجمهورية ذي الدور الوطني والمهام الوقفية والرمزية والتي تطورت وتنظمت من خلال المرسوم الاشتراكي رقم 18 والذي يعطي للمسلمين ممثلين بالمفتي ودار الفتوى حقوقاً في حرية العبادة وحرية التعليم الديني وقضاء الاحوال الشخصية وادارة اوقافهم. وفي موازاة ذلك تم البدء بإنشاء جهاز ديني من الائمة والخطباء والمدرسين والقضاة إضافة للوظائف الموروثة من العهد العثماني. وفي العام 1933 أنشئت الكلية الشرعية، وهي ثانوية دينية لتخريج الأئمة والخطباء والمدرسين في المساجد. ومن هذه المدرسة تخرج اوائل القضاة. ومنذ الثلاثينات بدأ الأزهر الشريف يرسل بعثة ازهرية كانت بداية من سبعة علماء وصارت في الستينات اربعين عالماً. واصبح الأزهر يعترف بالثانوية البيروتية، ويقبل الطلاب اللبنانيين الذين يتابعون دراستهم في الأزهر للحصول على شهادة الدراسات العالية في إحدى الكليات الثلاث : الشريعة او اللغة العربية او أصول الدين، حيث يعود هؤلاء لتولي مناصب القضاء والفتوى. وكان الشيخ حسن خالد رحمه الله هو أول من تولى إفتاء الجمهورية من خريجي الأزهر. اما القضاء الشرعي فقد بدأ الازهريون توليه منذ الخمسينات من القرن الماضي.[9] وفي الوسط الشيعي نشأت الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية في بيروت (1927) والكلية الجعفرية في صور في الخمسينات برعاية الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، وجمعية المبرات الخيرية عام 1977 وإزدادت وتعززت فيما بعد مثل هذه المؤسسات.

    تبدل الامر بعد خروج العثمانيين وخضوع لبنان للإنتداب الفرنسي، فقد اصبح التعليم الديني من مسؤلية دوائر الاوقاف التابعة للطوائف الدينية في لبنان، ومع صدور الدستور اللبناني في 23 أيار/ مايو 1926 أصبحت الأمور اكثر رسوخاً ووضوحاً. فقد نص الدستور في مادته العاشرة على ان :” التعليم حر ولا يمكن ان يمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة…” ونص في مادته التاسعة على ان : “حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها… وهي تضمن ايضاً للاهليين على اختلاف مللهم إحترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية.”

في عام 1936 صدر مرسوم رسمي 7962 قضى بإعطاء إجازة رسمية للمدارس القرآنية والكتاتيب شرط أن تقدم أوراقها الثبوتية المنصوص عليها[10].

   ولقد اعتُمد القرآن للتدريس عند الطوائف الإسلامية، والإنجيل عند الطوائف المسيحية، أما الأساليب المتبعة للتعليم عند الطوائف اللبنانية ذلك العهد فيمكن تلخيصها بالآتي[11]:

1 – عند السنة ينطلق التعليم الديني من حفظ الحروف والكلمات، والتركيز على القرآن تلاوة وحفظاً، وتدريس التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة.

2 – عند الشيعة، إضافة إلى ما يدرسه السُنّة، كان الشيعة يدرسون سيرة الأئمة الاثني عشر.

3 – عند الدروز يبقى الدين مجهولاً عند أبناء الطائفة الدرزية حتى يصبح الواحد منهم من العقلاء في سن الأربعين، لذلك تقتصر الدراسة على الأمور الأخلاقية والتوجيهات الرسولية.

4 – ركّز الكاثوليك ( من موارنة – روم – لاتين – أرمن – سريان)، على شرح المسيحية كعقيدة بعد أن ينتهي التلميذ من تعلم القراءة الصحيحة للإنجيل وسيرة السيد المسيح، كما يترافق مع الدراسة ممارسة بعض الطقوس العبادية في الكنائس.

5 – ركّز الأرثوذكس في تعليمهم الديني على الطقوس الدينية والأعياد والقداديس والتعاطي مع الأيقونات.

6 – اعتمد البروتستانت والإنجليون الأسلوب التوراتي الذي يركّز على حفظ مقاطع من التوراة والإنجيل وشرح أقوال السيد المسيح حسب قناعاتهم.

   ورغم ذلك كانت دولة الإنتداب الفرنسي تعمل جاهدة على استبعاد المواضيع الدينية الحساسة من المناهج، وهذه السياسة التعليمية جعَلَت التربية الدينية مُناطة بالأسرة بشكل أساسي.

مرحلة ما بعد الاستقلال:

     من الواضح ان الدستور اللبناني اعطى الطوائف حقوقاً ثابتة في التعليم والاحوال الشخصية، وحصن هذه الحقوق بنصوص غير قابلة للتعديل الا بنصاب دستوري من شبه المستحيل تأمينه في لبنان. في المقابل فان انسحاب الدولة من ساحة التعليم الديني قابله افساحها بالمجال امام مؤسسات الطوائف لكي تقوم بملء هذا الفراغ، الامر الذي فتح الباب واسعاً لكثير من الافراد والجمعيات الاسلامية السنية والشيعية والمسيحية بمختلف مذاهبها لمضاعفة جهودها وتوسيع انتشارها، وذلك لحماية رعيتها والحفاظ على تعاليمها من خلال تنشئة الاطفال عليها.

    لم يكن إنشاء المؤسسات التعليمية الخاصة، الاسلامية او المسيحية في لبنان يعني تفلت هذه المؤسسات من اية رقابة حكومية، ولم يكن هذا يعني ايضا ان مسألة التعليم أصبحت برمتها في أيدي الطوائف والقطاع الخاص في لبنان. كل ما في الامر ان التعليم الرسمي الحكومي الذي أقامته دولة الإستقلال لم يكن قادراً على استيعاب وتغطية كافة القرى والبلدات اللبنانية، كما انه لم يعتبر مسألة التعليم الديني إلزامية وفي صميم المنهاج التربوي التعليمي للمدارس الرسمية الحكومية والشهادات الرسمية، فمثل هذا النوع من التعليم في المدارس الحكومية التي تضم طلاباً من مختلف الطوائف والمذاهب يثير الكثير من المشاكل والحساسيات، فضلاً عن الإشكاليات الإجرائية في عملية التعليم ذاتها التي تتطلب فصل الطلاب الى شعب خلال حصص الدين، وهو أمر غاية في الصعوبة والاحراج في مجتمع شديد التنوع الطائفي كلبنان. لذلك أوكلت مهمة التعليم الديني الى المؤسسات الوقفية الدينية لكي ترسل أساتذة للتعليم الديني وترك الامر لمدراء المدارس لتنظيم هذا الامر وتنسيقه مع المجالس الوقفية في المناطق التي كانت تتصرف حسب الظروف والإمكانيات.

     مع ذلك كان هناك شيء من الالتباس في مسألة التعليم الديني في المدارس الرسمية الحكومية، فالمرسوم رقم (14528) الصادر في 23/5/1970 لا يلحظ ساعة للتربية الدينية للمرحلة المتوسطة في جدول توزيع الساعات، كما يحرم المرسوم (2151) الصادر في 16/11/1971 المرحلة الإبتدائية بكافة صفوفها من ساعة التربية الدينية، وهو مرسوم بقي سارياً حتى تم تعديله بعد اعتراضات عديدة من خلال تعميم وزاري لا يتمتع بقوة المرسوم بتاريخ 21/12/1973. والالتباس نفسه شاب المرحلة الثانوية.

     هكذا بقي الامر إستنسابياً على صعيد التعليم الرسمي الحكومي، لذلك وجدت الطوائف في لبنان نفسها معنية بالدرجة الاولى بمسألة التعليم الديني، فعززت مؤسساتها التربوية التي تعني بالمنهاج التربوي الرسمي إضافة الى التعليم الديني والأخلاقي الذي ينسجم مع منظومة القيم التي تعتنقها.

        في المحصلة الإجمالية لمعطيات التعليم في لبنان قسمة بين قطاعين: رسمي وخاص. غير أن التعليم الخاص في لبنان في مرحلته الإبتدائية ينقسم حصراً الى فئتين المجاني وغير المجاني. ففي المدارس غير المجانية يدفع الاهل كامل الاقساط المطلوبة عن اولادهم دون مساعدة تذكر من الدولة، إلا بالنسبة للموظفين الذين يحصلون على منح تعليمية عن أولادهم، أما بالنسبة للمدارس المجانية الخاصة فيدفع الاهل اقساطاً رمزية، فيما تدفع الدولة مبلغاً معيناَ لادارة هذه المدارس عن كل تلميذ مسجل عندها في المرحلة المذكورة. وقد عمدت مختلف الطوائف اللبنانية، بل وحتى العديد من الجمعيات والمؤسسات الاهلية العلمانية والمدنية والافراد، الى تأسيس مثل هذه المدارس والاستفادة من مساعدة الدولة. الوضع اللبناني ليس فريداً من نوعه في هذا النوع من النظام، اذ تطبق دول اوروبية عدة برامج مساعدات مشابهة، رغم علمانيتها وعدم إعترافها بالطوئف.[12] والمحصلة إن حوالي ثلثي تلامذة لبنان ينخرطون في التعليم الخاص وأن أكثر من نصف المؤسسات التربوية العاملة هي بإدارة القطاع الاهلي والطوائف.

التعليم الديني على ضوء الهيكلية التربوية الجديدة: 

     في وثيقة الوفاق الوطني التي صدرت في 22/10/1989 التي أقرت في الطائف بالمملكة العربية السعودية والتي صدقها مجلس النواب اللبناني في 15/11/1989 والتي أدخلت لبنان في مرحلة جديدة من التسوية السياسية، تم التأكيد فيها على جملة من الإصلاحات والتعديلات في النظام السياسي اللبناني . إلا أن البند الثالث من الفقرة (ب) في الوثيقة أكد على ضرورة الانسجام بين الدين والدولة، وأكد الحق لرؤساء الطوائف اللبنانية بمراجعة المجلس الدستوري في أية مسألة تمس بالاحوال الشخصية او حرية المعتقد وممارسة الشعائر او حرية التعليم الديني.

   وحين أقرت خطة النهوض التربوي الجديدة في لبنان عام 1996، والتي تم فيها تحديث وإصلاح المناهج التربوية في كافة المراحل التعليمية، والتي تعتبر عملياً أول قفزة نوعية في المنهاج التربوي اللبناني منذ الإستقلال، تعاملت هذه الخطة مع موضوع التربية الدينية بشكل هامشي، حيث أكدت على ان: “نظرة اللبنانيين الى معنى الوجود تنبع اساساً من الاديان والتراث الروحي المتمثل بالديانات التوحيدية، وهو تراث ثمين يجب صونه وتعزيزه[13]… وفي موضوع الاهداف التربوية العامة أكدت الخطة الجديدة على تكوين المواطن المتمثل تراثه الروحي النابع من الرسالات السماوية، والمتمسك بالقيم والاخلاق الانسانية[14]

    إلا أن الهيكلية التعليمية الجديدة التي جاءت لترجمة هذه الاهداف والسياسات العامة التربوية الى برامج وإجراءات لم تعكس بدقة ما لحظته الخطة، وبرز ذلك من خلال :

-خلو الهيكلية من أي نص يؤكد إلزامية التعليم الديني في المدارس الرسمية.

-خلو جدول توزيع الساعات من حصة التعليم الديني إسوة ببقية المواد (مستند رقم :5 ص57-58).

وقد أثار هذا الامر إعتراضاً واسعاً في الاوساط التربوية الاسلامية والمسيحية، الامر الذي أدى الى إستدراك الامر من قبل وزارة التربية وفتح المجال لادخال المادة بشكل إستنسابي وليس إلزامي.

   لكن المعارضة الشديدة من رجال الدين وجمهور واسع من الناس اضطرت الدولة الى العودة عن قرارها، وذلك بقرار من مجلس الوزراء بتاريخ 10/11/1999 وهذا نصه: “خلافاً لأي نص آخر، يخصص للتربية الدينية، في مراحل التعليم العام، ما قبل الجامعي، في المدارس الرسمية حصة دراسية كاملة اسبوعياً من أصل الحصص المخصصة للفنون والنشاطات المتنوعة في جداول التوزيع الأسبوعي للمواد التعليمية الملحقة للمرسوم 20227 تاريخ 8/5/1997.

 ولكن هذه الاستنسابية بقيت رهن أمزجة مدراء المدارس، فمادة التربية الدينية تحولت في المنهاج الجديد الى مادة إختيارية طوعية يحدد ضرورتها المدير وفقاً لجدول توزيع الساعات لباقي المواد من جهة او وفق رغبة شخصية وإعتبارات خاصة، الامر الذي أدى الى ان بعض المشاكل والضغوط بين مجالس الاوقاف ولجان الاهل من جهة في بعض الاحيان وبعض ادارات المدارس من جهة أخرى. إلا أن الايجابية التي يمكن تسجيلها في هذا المجال، ان وزارة التربية عمدت الى حصر تعيين أساتذة التربية الدينية بمجالس الاوقاف حصراً، بعد ان بدأ الامر يتفلت منها قبل ذلك، حيث راحت بعض الجمعيات والاحزاب الدينية بحجة تعليم الدين توفد أساتذة الى المدارس الرسمية، وكانت هذه إشارة خطيرة تمثل بداية لتقاسم التيارات الدينية ما عجزت عنه الأوقاف الإسلامية، مع ما يعنيه ذلك من توجيه ديني يتناسب والخلفيات السياسية والايدولوجية لهذه التيارات، وبالتالي خروج التعليم الديني عن مساراته العلمية ليصبح تعليماً وظيفياً موجهاً ومؤدلجاً.

 - واقع التعليم الديني الإسلامي في المدارس الرسمية :

      يتولى الإشراف على التعليم الديني في المدارس التابعة لوزارة التربية المرجعية الدينية التي ينتسب اليها غالب تلاميذ كل مدرسة، فبوجود الأغلبية السنية تتولى الأوقاف الإسلامية هذه المسؤلية، وفي حال الأغلبية الشيعية تقوم لجنة التعليم الديني التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بهذا العمل وهكذا الحال بالنسبة لبقية الطوائف والمذاهب وبحسب التوزيع الجغرافي لأغلبية سكان المنطقة التي توجد فيها المدرسة.

      والواقع أن المديرية العامة للاوقاف الإسلامية السنية، نظراً لضعف الامكانيات فإنها تعاني عدة مشاكل تتعلق بالتعليم الديني منها:

-       العجز عن تغطية قسم كبير من المدارس الرسمية نظراً لضعف إمكانياتها.

-       إفتقارها الى إدارة متخصصة تتولى عملية إختيار المناهج ووضع الكتب وتعيين المعلمين ومتابعتهم.

-       إنخفاض مستوى معلمي التربية الدينية لعدم تفرغهم للوظيفة، وعدم الاستقرار الوظيفي يوّلد ضعف الاهتمام بالتعليم الديني.

والواقع أن هناك تفاوتاً كبيراً بين عدد المدارس التي تغطيها الأوقاف بالتعليم الديني، والتي بلغ مجموعها العام حوالي 318 مدرسة في إحصاء قدمه مدير عام الأوقاف الإسلامية[15] وهي تمثل أقل بكثير من 50% ، من المدارس الرسمية، فهي في عكار تغطي 36 مدرسة بينما في طرابلس تغطي 136 مدرسة وفي بيروت 58 مدرسة وفي صيدا 18 مدرسة. في حين هناك مناطق يغيب عنها التعليم الديني مثل حاصبيا وجبيل والبترون. هذا طبعاً الى جانب التعليم الثانوي الذي تتهرب غالبية إداراته من إعطاء ساعة التعليم الديني بحجة كثرة المواد العلمية. كما يشكو مدير عام الأوقاف من مسألة أيام العطل حيث يطرح المسألة المتعلقة بيوم الجمعة، حيث بدأت مدارس رسمية بالتدريس يوم الجمعة والتعطيل يومي السبت والأحد زاعمة أن العطلة في يومين متواليين هي أفضل للمعلمين الذين يأتون من خارج المنطقة، والتعليم يوم الجمعة يحرم الطالب المسلم من صلاة الجمعة وهذا يتناقض مع مضمون مادة التعليم الديني، فكيف نعلم الطالب الصلاة ونمنعه من آداء صلاة الجمعة؟[16]

      يثير التعليم الديني الذي تشرف عليه الأوقاف الإسلامية عدة مشاكل أدت الى إضعاف التعليم الديني يمكن إجمالها بـ :

-       إن عدم إلزامية مادة التربية الدينية يفتح الباب واسعاً أمام مزاجية مديري المدارس، فمن مدير يقررها الى آخر يلغيها..

-       شخصية المدرس وكفاءته العلمية وثقافته وقدرته على التأثير بالطلاب وإمتلاكه لمهارات التعليم الحديث بما يتوافق مع علوم العصر، وبعيداً عن التلقين والحشو مع الإستعانة بالتقنيات ووسائل الايضاح والتكنولوجيا.

-       عدم رقابة إدارة المدرسة على نشاط مدرس التربية الدينية، إذ يعتبر مدير المدرسة أن لا علاقة له بمدرس الدين، إن لإعتباره فوق الرقابة من باب الإحترام، أو لمرجعيته الإدارية خارج وزارة التربية، وبطبيعة الحال يتبع عدم الرقابة غياب التقويم لنتائج عمله.

-       إنعدام الرقابة من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية على عمل مدرس التربية الدينية ودائرة الأوقاف هي الدائرة المسؤولة عن تعيين المدرس وهي التي تدفع له بدل التدريس.

-       عدم إستقرار الوضع الوظيفي لمعلمي التربية الدينية، يؤدي الى عدم الفعالية لديهم، فمدرس التربية الدينية هو مدرس متعاقد بالساعة عموماً، يتلقى اجراً على الحصة الفعلية التي يدرسها، وما يتقاضاه هو ربع ما يتقاضاه مدرس اي مادة أخرى من زملاءه المتعاقدين مع الدولة او أي مدرسة خاصة.

-       عدم وجود منهج واضح ومحدد من قبل المراجع الدينية، وترك الحرية الكاملة للمدرس ليختار ما يشاء لطلابه من الكتب الموجودة في السوق، وهي كتب تهدف الى إعطاء حد معين من الثقافة، يشمل الفقه والحديث والسيرة والقرآن. أما لجهة الطائفة الشيعية فتبدو الصورة في السنوات الأخيرة أكثر إنتظاماً، إن لجهة التغطية المتكاملة للمدارس الرسمية، او لجهة التحسين الذي بدأ يطرأ على مستوى معلمي التربية الدينية منذ إفتتاح دار معلمي التربية الإسلامية، عام 1977 وعدد من المؤسسات المشابهة التي تعني بالتربية الدينية، إلا إن الإنجاز الاهم هم ما تحقق لجهة محتوى مادة التربية الدينية الإسلامية كما وضعتها لجنة التربية الدينية التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهو المجلس المعني حصراً بتنظيم شؤون الطائفة الشيعية إستناداً لقانون رقم 72/67 تاريخ 19/12/1967 والذي تنص المادة 28 من نظامه الداخلي على أن الهيئة الشرعية للمجلس تتولى العمل على تعميم التعليم الديني في المدارس، ووضع برامج متطورة صحيحة، وتأليف كتب، وإيجاد دورات للمتعلمين تحقيقاً للغاية المذكورة.

     والواقع أنه لم يسبق لأي من العائلات الروحية في لبنان أن أقدمت على وضع منهج لتعليم مادة التربية الدينية يكون متماسكاً ومتناسقاً وفقاً لغايات تربوية واضحة ومحدودة، فهناك كتب تعليم ديني بلا مناهج، إذ ليس هناك تعددية دينية ومذهبية فحسب، بل هناك تعددية في التعليم الديني وفي التوجيه الإيماني ضمن المذهب الواحد، وهذه التعددية قابلة للتزايد بتزايد عدد مؤلفي الكتب[17] لأن كل مؤلف ينطلق في كتابه إستناداً الى الخلفية الفقهية التي يعتمدها. والكثير من الكتب لم يراع فيها قدرات التلميذ ومستوى نموه العقلي واللغوي والإنفعالي والإجتماعي، كما إنها لا تراعي ما يكتسبه التلميذ من معارف في مواد التدريس الأخرى، ولا تتآلف مع المعارف المطروحة مع سائر مواد التدريس، ولا يعتمد في أساليب الشرح مهارات وتقنيات جاذبة وتكنولوجيات أصبحت متوفرة ومستخدمة في باقي المواد، مما يجعل تعليم الدين غريباً او دخيلاً على الحياة المدرسية، كما أن كتاب ” المعلم ” المخصص للأساتذة والمرشد لهم في مادة التربية الدينية غائب تماماً، الأمر الذي يجعل من هذه المادة ميدان لكي يجرب الأساتذة مواهبهم في الطلبة، وهي في الغالب تجارب لا تجد لها حظاً من النجاح، بحيث تحولت حصة التربية الدينية بالنسبة للطلاب عرضة لكل أنواع التهرب والإستهتار.

   والواقع أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد خطى خطوة هامة لجهة وضع منهج تجريبي لمادة التربية الدينية وإعداد كتب للمعلمين والتلاميذ. ووضع هذا المنهج موضع التطبيق للمرحلة التجريبية الأولى للروضات عام 1990 وتلتها طبعات لسنوات المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة، كما وضعت لجنة التربية والتعليم في المجلس نفسه منهجاً للمرحلة الثانوية، وهم يعملون على تطوير هذه الكتب. ومراجعة محتوى المنهج المعتمد[18] تبين بالفعل إنه خطوة متقدمة نحو صياغة برنامج متطور للتعليم الديني الإسلامي في لبنان. في المقابل لا يزال التعليم الديني الذي تشرف عليه الأوقاف الإسلامية السنية بلا محتوى منهجي حديث، ولا يزال يعتمد على كتب قديمة قررت في الخمسينات، ولم ينجح في إعتماد منهج حديث مماثل حتى الآن.[19]

     أما المدارس الخاصة التي يقصدها حوالي ثلثا التلامذة في لبنان، فالتعليم الديني الإسلامي مقصور على المدارس الإسلامية، كمدارس جمعية المقاصد والإيمان وغيرها من المدارس في إطار الطائفة السنية والجمعية العاملية ومدارس المصطفى والمهدي وغيرها في إطار الطائفة الشيعية. وبدءاً من السبعينات تكاثرت المدارس الإسلامية التي أنشأتها التيارات الدينية الإسلامية، فالجماعة الإسلامية أنشأت عدداً كبيراً من المدارس من خلال جمعية التربية الإسلامية تحت أسم مدارس الإيمان في طرابلس وعكار والضنية وإقليم الخروب وصيدا والبقاع الغربي، وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية أنشأت عدداً تحت إسم الثقافة الإسلامية ( حوالي 15 مدرسة ومهنية ) فضلاً عن عشرات الجمعيات الإسلامية التي أنشأت لها مدارس مثل جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية ومدارس البيادر ومدارس جمعية الفتوة وجمعية الاصلاح والجنان وغيرها فضلاً عن الجامعات في مختلف المحافظات اللبنانية وخاصة في طرابلس وبيروت وصيدا. إلا أن الأمر الاكثر بروزاً كان في الساحة الشيعية والذي ترافق مع نجاح الثورة الإيرانية ونمو ظاهرة حزب الله في لبنان، والذي وجد ترجمته على الصعيد التربوي في لبنان من خلال مؤسسات حزب الله الذي أقام شبكة ضخمة من المدارس، فضلاً عما أقامته حركة أمل، ومرجعيات شيعية أخرى مثل السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد مهدي شمس الدين وغيرهم، فنشأت جمعية المبرات الخيرية (1977) ومؤسسة التربية والتعليم (1993) وجمعية الإمداد الخيرية التي كانت باكورة مدارسها عام 1992 ومؤسسة الشهيد التي دخلت الميدان التربوي عام 1993.

   وشهدت مرحلة الثمانيات موجة من نماذج مدرسية شرعية لدى السنة والشيعة، فإفتتحت العشرات من “الحوزات” في الجنوب والبقاع، وهي المخصصة لطلاب العلم الشرعي الديني، والممولة تمويلاً جيداً، وهي تزامنت مع إفتتاح وتدشين العشرات من المعاهد والمدارس الشرعية السنية، وقد كان عدد هذه المدارس قبل ذلك محدوداً، فقد كان أزهر لبنان التابع لدار الفتوى فب لبنان وقسم الشريعة في المقاصد ودار التربية والتعليم الدينية في طرابلس، وبعض الحوزات المحدودة العدد في الجنوب تتخصص في إعداد الطلاب للعلم الديني قبل إرسالهم الى الأزهر الشريف بالنسبة للطلاب السنة لمتابعة الدراسة او الى النجف بالنسبة للشيعة. إلا أن هذا الأمر قد تغير. فما عاد الأزهر مقصد خريجي المعاهد الشرعية الإسلامية في لبنان، بل أن بعض هذه المعاهد أصبح لديه إما مرجعيته العلمية الخاصة حيث يخرج ويمنح طلابه الشهادات العليا، او يتمتع بعلاقات مع دول خليجية فيرسل طلابه اليها لمتابعة دراستهم العليا وخاصة فيما يتعلق بالمعاهد السلفية، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالنسبة للطلاب الشيعة لم يعد النجف المرجعية العلمية الوحيدة، فقد أصبح للطائفة كلياتها وجامعاتها، وأصبح لديها في ” قم ” بديلاً عن النجف الأشرف[20] . وقد تم إنشاء العديد من الجامعات الإسلامية للسنة والشيعة في بيروت وطرابلس وغالبيتها أصبح يتضمن أقساماً للدراسات العليا في الشريعة والفقه وأصول الدين.

    هكذا برزت مشكلة جديدة تحت عنوان ” حرية التعليم الديني “، حيث راحت بعض التيارات والأحزاب الدينية، ومن خلال جمعيات تربوية أنشأتها وأوقاف قامت بتخصيصها لإنشاء مدارس للتعليم الشرعي، فنشأت عشرات المعاهد والمدارس الدينية الشرعية التي لا تلتزم بالمنهاج الرسمي للدولة كما بقية المدارس الخاصة، ولا تلتزم بالتالي بأي منهج للتعليم الديني سوى المنهج الذي تضعه هي بما يناسب المنظومة الفقهية التي تعتنقها، الأمر الذي أدى في ظل الفوضى التي مر بها لبنان وضعف مؤسسات الدولة الى إنتشار مثل هذه المدارس بشكل فوضوي، والتي أخذت تنشر تعاليم ومفاهيم لا إجماع عليها حتى ضمن المذهب الواحد، حتى إن بعضاً منها أخذ يدرس مواداً خلافية تبث الفرقة بين المسلمين السنة والشيعة، الأمر الذي أدى الى تدخل مجلس الوزراء وإغلاق إحداها عام 2000 [21]. ومن تداعيات هذا المشهد التربوي ان التيارات الدينية الإسلامية الرئيسية في لبنان أصبح لديها مدارسها ومراكزها الإجتماعية والصحية، وبعضها أصبح لديه جامعات خاصة به، وأصبح لديه معاهد خاصة لتخريج رجال الدين من مشايخ وعلماء، يتنافسون للسيطرة على المساجد والمواقع الدينية، في ظل ضعف متزايد لدار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمام التيارات الدينية السياسية الصاعدة على المستوى التربوي الخاص.

     المشهد الإسلامي التربوي العام يشوبه الكثير من الفوضى في لبنان والتعليم الديني في الهيكلية الجديدة التي أقرتها وزارة التربية هامشي الى حد بعيد، والواقع ان هذا الأمر كان مدعاة إهتمام الكثير من الفاعليات الإسلامية، ولعل المؤتمر التربوي الإسلامي الذي عقد عام 1996 في مدينة طرابلس عقب إقرار خطة النهوض التربوي من أهمها، فالتوصيات التي صدرت عنه حظيت بموافقة عدد كبير من الهيئات والجمعيات الإسلامية السنية والشيعية الفاعلة والمؤثرة، وكان أهمها إقرار إلزامية التعليم الديني بمعدل حصتين أسبوعياً في جميع المدارس الرسمية والخاصة في جميع المراحل ولجميع الصفوف وإعتبار التعليم الديني مادة أساسية يتوقف عليها النجاح والرسوب وتدخل في بطاقة العلامات المدرسية والشهادات الرسمية، فضلاً عن مطالبتهم بإقرار بكالوريا دينية كسائر فروع البكالوريا وإستحداث دور لمعلمي التربية الدينية المسيحية والإسلامية، ومطالبتهم وزارة التربية الإعتراف بالإجازات الجامعية التي تمنحها كليات ومعاهد الشريعة الإسلامية التي نشأت حديثاً وإعتبارها إجازات تعليمية وتحديد الراتب على أساس ذلك، ومطالبتهم وزارة التربية بأن تعهد للمراجع الإسلامية الرسمية بإعداد كتاب إسلامي موحد لمادة التربية الدينية[22] …، وكل هذه التوصيات وغيرها لم يتحقق منها شيء، سوى بعض المرونة في إدخال مادة التربية الدينية الى بعض المدارس الرسمية. 

معطيات التعليم الديني المسيحي وإشكالياته:

    التعليم الديني المسيحي في لبنان يملك تقاليد أكثر عراقة على الصعيد التربوي، فالكنيسة المارونية تملك ما يقرب من 141 مؤسسة تربوية تتوزع ما بين 120 مدرسة إبتدائية ومتوسطة وثانوية و17 مدرسة ومعهداً مهنياً وتقنياً و4 جامعات كبيرة في لبنان. والقسم الأكبر التابع لهذه الكنيسة هي مدارس خاصة مجانية (49 مدرسة)[23]، وقد ساهمت الكنيسة المارونية خلال العام الدراسي 1995 – 1996 بتعليم 78786 تلميذاً أي حوالي 14 بالمئة من مجموع تلامذة التعليم العام ما قبل الجامعي في القطاع الخاص. وقد توزعت هذه المؤسسات على منظمات الكنيسة الدينية منها 42 مؤسسة حصة الأبرشيات و70 مؤسسة تابعة للرهبانيات النسائية و29 مؤسسة مثلت نصيب الرهبانيات الرجالية[24].

   أما التعليم العالي، فالكنيسة المارونية تملك مؤسسات تعليم عالٍ هي جامعة الروح القدس – الكسليك للرهبانية اللبنانية، ومعهد الحكمة العالي لتدريس الحقوق التابع لأبرشية بيروت، وجامعة سيدة اللويزة للرهبانية المريمية، ثم أضيفت إليها جامعة الآباء الأنطونيين التي أسستها الرهبانية الأنطونية[25]. وقد استقطب التعليم العالي حوالي ستة آلاف طالب عام 1996 وهو يتزايد بشكل لافت بعد افتتاح كليات تطبيقية وفروع جديدة. ويمكن القول ان هذه الجامعات تساهم بفعالية في إعداد النخب القيادية للمجتمع اللبناني.

   أما الكنيسة الأرثوذكسية فهي تملك 22 مؤسسة تربوية (وفق معطيات العام 2000)، وغالبية مدارسها الإبتدائية هي مدارس مجانية، وهي توزعت كالتالي 17 مدرسة في قطاع التعليم العام ما قبل الجامعي و3 مدارس ومعاهد فنية وتقنية ومؤسستان جامعيتان هما جامعة البلمند والأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA) وهذه المؤسسات المدرسية أمنت التحصيل العلمي لـ 14557 تلميذاً، بينما استقطبت المؤسسات الجامعية ما يزيد عن الألفي طالب، وتعتبر جامعة البلمند اليوم من الجامعات البارزة في لبنان[26] .

   أما فيما يتعلق بمحتوى مادة التعليم الديني، فالكنيسة قد تخطت إشكالية التعدد، فقد أنجزت المدارس الكاثوليكية كتاب موّحد للتعليم الديني، فقد كان في السابق يوجد كتاب أو منهج لكل رهبنة، كذلك الأمر على مستوى الكنيسة الأرثوذكسية، وهو كتاب يلتزم به أساتذة التربية الدينية دون أن يكون ملزماً للطلاب، ويخضع أساتذة التعليم الديني وهم في الغالب من رجال السلك الكهنوتي لدورات تدريبية في أصول التربية الدينية تنظمها لجان متخصصة في الكنيسة. وبطبيعة الحال لا يقل حرص الكنيسة على تغطية التعليم الرسمي بالتعليم الديني المسيحي عبر إيفاد رجال الدين من قبلها وعلى نفقتها عن بقية الطوائف. يبقى بعض الإشكالات الناشئة عن الاختلاط السكاني والطائفي، حيث يكون في بعض المدارس طلاباً من الطائفة المسيحية ولكن من مذاهب متعددة، لذلك يتحول الدرس عندها إلى عظات أخلاقية ويغيب ما يخص اللاهوت الكنسي الخاص.

   لا شك أن التعليم الديني المسيحي أكثر انضباطاً وتماسكاً، وما تملكه الكنيسة المارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية عموماً من معطيات تربوية مباشرة لا يقارن على الإطلاق بما تملكه بقية الطوائف، الأمر الذي ساهم فيه وجود جهاز ديني يضم جيشاً من المتفرغين والمتخصصين في مجالات متعددة، وجعل بالتالي وضع الطائفة المارونية بالتحديد وضعاً متميزاً في علاقتها بالكنيسة في لبنان.

كتاب التعليم الديني: المحتوى والمضمون

   تعتمد الطوائف والجهات التربوية المشرفة على المدارس الخاصة التابعة لجمعيات دينية كتباً للتعليم الديني في المدارس قام بتأليفها عدد من المؤلفين، وقد وقفت وزارة التربية موقفاً محايداً في هذا الموضوع وتركته بكامله للجهات الدينية، فلم تصدر كتباً ولم تحدد منهجاً، وكل ما فعلته إنها حددت بعض الضوابط العامة بحيث تمنع التعرض للأديان والمذاهب الأخرى بالسوء.

    وكتب التربية الدينية، لا تتبع الموضوعات نفسها في سلاسلها، بل تختلف الموضوعات في الصف نفسه بين سلسلة وأخرى، وفيما يلي بعض الكتب المتداولة للتدريس:

-       الكتب المتداولة في التعليم المدرسي الإسلامي: سلسلة “الإسلام رسالتنا” وهي من أوسع السلاسل انتشاراً التي تتولى جمعية التعليم الديني الإسلامي التعليم الديني فيها، وهي سلسلة كاملة من صف الروضة حتى الثانوي، وكتاب “التفسير التربوي” للصفوف الثالث والرابع والخامس الإبتدائي الصادر عن جمعية التعليم الديني الإسلامي، ويتضمن تفسير لبعض السور القرآنية، سلسلة كتب “التربية الدينية” الصادر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كتاب “المبادئ الإسلامية” من وضع جمعية المقاصد الإسلامية للمرحلة الإبتدائية، وكتاب “التربية الإسلامية” من وضع الشيخ فيصل مولوي للمرحلة المتوسطة ومعتمد في الثانوية ومعتمد أيضاً في المقاصد، سلسلة “الحديقة الدينية للأطفال”، سلسلة “الثقافة الدينية”، سلسلة الهداية، سلسلة الإسلام ديني، مناهج الشريعة الإسلامية للصفوف الثانوية، “الإسلام دين وحياة” لمجموعة من الأساتذة ومراجعة السيد عبد الحسين شرف الدين، “جزء عمّ المفسر” لسميح الزين وكامل سليمان، “وجزء عمّ الميّسر” للشيخ محمد هويدي، كتب التفسير القرآني للأستاذ عفيف طبارة، سلسلة في التربية الإسلامية تحت عنوان أشبال الإسلام للمرحلة الإبتدائية وفتية الإسلام للمرحلة الثانوية للدكتور عبد الرحمن عثمان حجازي.

-       الكتب المتداولة في التعليم المدرسي الديني المسيحي: سلسلة يسوع طريقنا التي أعدها مركز التربية الدينية في جمعية راهبات القلبين الأقدسين للمرحلتين الإبتدائية والمتوسطة من إعداد الأخت وردة مكسور والأب هاني الريس، وسلسلة لجنة التعليم الديني الأرثوذكسي وهي من ثلاث أجزاء تخص المرحلة الإبتدائية، سلسلة تعال اتبعني للأخت روجيه عازار صادر عن المكتب التربوي لراهبات العائلة المقدسة المارونيات وهي سلسلة حتى الرابع الإبتدائي، وسلسلة طريق المحبة للرهبانية اللبنانية المارونية، سلسلة “حبّة الحنطة” للأخت ماري رينه ديراني من راهبات المحبة، وسلسلة “ملاقاة يسوع” وسلسلة الرب نوري وخلاصي للأب فرنسيس الحكيم والسلسلة المسكونية للتنشئة المسيحية من منشورات المكتبة البوليسية للمرحلة الثانوية، سلسلة كتب سيدة العطايا، منشورات الرابطة الكهنوتية، منشورات الخوري ميشال عويط[27].

     في تحليل معطيات هذه الكتب توصل د. طلال عتريسي[28] في تحليله لأربع من سلاسل كتب التعليم الديني المدرسي في المرحلة المتوسطة وهي (الاسلام رسالتنا، التربية الإسلامية، يسوع طريقنا، سلسلة التعليم الديني الأرثوذكسي) إلى أن كتب التعليم الديني اهتمت بتقديم صورة واضحة عن “الذات والإنتماء” على الصعد كافة العقائدية والتربوية ومن خلال السيرة والتاريخ والطقوس، بما يؤسس لوعي التلميذ وإدراكه عن نفسه أو الدين الذي ينتمي إليه، أما بالنسبة لصورة “الآخر” المسلم أو المسيحي، فقد غابت من كتب التعليم الديني كافة، وما ورد عن بعض الأنبياء أو الكتب المقدسة، أو أماكن العبادة عند المسلمين أو عند المسيحيين في هذا الدرس أو ذاك، لا يعبر بأي حال عن صورة هذا الآخر، ولا يسمح بالتعرف على معتقده، ولكن في الوقت نفسه لم تقدم هذه الكتب صورة سلبية مباشرة عن الدين أو المذهب أو عن المذهب الآخر، وبالتالي أصبح تشكيل تلك الصورة عن “الآخر” منوطاً بدوائر أخرى، كالبيت والإعلام ودور العبادة. ويخلص الباحث إلى أن المساحة المشتركة الأوسع بين هذه الكتب كانت في الموضوعات التربوية الأخلاقية التي ركزت على الفضائل الحميدة والسلوك المستقيم والعلاقة مع الله والتضحية والإيثار وأهمية العائلة والتواضع وغير ذلك، وتتفق حول مصدر الخلق الذي هو الله وتلتقي في فهمها لمهمة الأنبياء كمنقذين للبشرية، إلا أنها لم تطرح على نفسها مهمة توطيد أركان العيش المشترك على الرغم من أنها لم تحض على العداء أو تعمم مفاهيم الإنقسام.

   إلا أن الدكتور شربل انطون[29] قد توصل في تحليله لـ 77 كتاباً من كتب التعليم الديني المدرسي الى تحديد أربعة عناصر لم يخل منها كتاب مع التفاوت في نسب وجودها بين هذا الكتاب وذاك وهي:

-       التركيز على الذات الدينية كثيراً: لأن هدف الكتب تعليم دين محدد لأناس يعتنقونه مبدئياً، لكن يعض هذه الكتب وقعت في نوع من الكيانية المغلقة التي لا تتسع للآخر المختلف دينياً، وجعلت “الانا” مستوعباً يتسع لكل الصفات الجميلة.

-       التركيز على الاخلاقيات: وهي من خلال تركيزها على إكساب التلاميذ أخلاقيات ومفاهيم حياتية، أصبغتها أصولاً دينية، مشددة على أن التقيد بها جزء لا يتجزأ من الدين.

-       تعليم العقيدة الدينية: بعض هذه الكتب أفرط في العقائدية في تركيزه على تعليم التلاميذ العقيدة الدينية كاملة، بحيث أصبح الدين عقيدة جامدة، تتأكد خصوصيتها ونهائيتها في تعارضها المطلق مع أي عقيدة أخرى.

-       التعليم التلقيني: وهو ما تشترك معظم الكتب في اعتماده، فالدين مجموعة عقائد ومبادئ للحفظ غيباً من قبل التلميذ، مع بعض التمارين والأعمال البسيطة لتأكيد ذلك الحفظ.

سجالات حول التعليم الديني:

     ثمة نقاش متصل في لبنان بين المؤيدين والمعارضين للتعليم الديني في المدارس، فالمؤيدون يرون أن الهدف من التعليم الديني هو الوصول بشخصية الإنسان الى النضج والوعي الكامل من خلال تربيته على الفضائل والأخلاق السامية، من خلال الأرتباط بالله، وهم يرون أنه لا يمكن فصل التربية الدينية عن التربية المدرسية، لأن المدرسة تهتم ببناء الإنسان وإعداده وتدريبه وهذه من أولى مهمات الدين. وهم يرون أنه لا يمكن استبدال مادة التعليم الديني بأي مادة أخرى سواء كانت مادة أخلاق أو حضارات أو تربية مدنية أو اجتماعية إذ أنه في نظرهم يعتبر الدين أوسع وأشمل من أن يحصر في الأخلاق أو غيرها فقط، لأن ذلك تحديداً وحصراً للدين في جانب واحد، كما أنهم يعتبرون أن الأسس الأخلاقية السليمة لا يمكن معرفتها إلا من خلال الدين. ومع أصرارهم على أهمية التعليم الديني المدرسي كمادة ضمن المنهج التعليمي، إلا أنهم يعترفون بوجوب تطوير هذه المادة من حيث المضمون والأسلوب، وخاصة لجهة إعداد الأساتذة من الناحية النفسية والإجتماعية والعمل على تطوير كتب التعليم الديني وإضافة بعض المواضيع المهمة مثل التعرف على الأديان الأخرى.

    أما بالنسبة لمسألة توحيد الكتاب الديني بين جميع المذاهب، فمؤيدو التعليم الديني يرونه طرحاً مستحيلاً بل خارجاً عن هدفية التعليم الديني، لكنهم يختلفون حول إمكانية توحيد الكتاب لكل طائفة أو لكل مذهب، فمنهم من يراه ممكناً ولكنه صعب المنال والتحقق ويحتاج إلى جهود متأنية، ومنهم من يرى عدم لزومه إذ ليس لتعدد الكتب أثراً سلبياً في هذا المجال[30]. وهم لا يجدون أن التربية الدينية تؤدي إلى الطائفية ولا يمكنها أن تشجع أي عمل أو حسّ طائفي وإلاّ فهي ليست تربية دينية، لذلك فهم يزرعون في تلاميذهم بذور الانفتاح الحقيقي على الآخر من خلال معرفة الذات والثقة بالنفس ومحبة الله ومخافته.

   في المقابل ثمة من يرفض التعليم الديني برمته ويطالب بحصره في الجامع أو الكنيسة والبيت الأسري، لأن العبادة شأن خاص بالعائلة والطائفة ولا دخل للمدرسة به[31]، ويرى أصحاب هذه المقاربة أن إلزامية التعليم الديني تندرج ضمن إطار سلب الحرية الفكرية للرافضين لهذا التعليم وهذا يعتبر تعدياً على الحقوق المنصوص عليها في الدستور اللبناني. فرفض التعليم الديني المدرسي ينطلق من عدم استئثار كل طائفة بطلابها في مدرستها الخاصة لتلقينهم المفاهيم الدينية، لأن ذلك يؤثر سلباً على علاقات الطلاب ببعضهم، ويشوه صفة العيش المشترك، ويرون أن تثقيف الطالب دينياً يمكن عن طريق مادة التاريخ أو مادة الحضارات المقارنة أو الفلسفة، أما الجانب الأخلاقي فهو متوفر في مادة التربية المدنية، وهؤلاء ينظرون إلى المجتمع اللبناني المتنوع طائفياً باعتباره مجتمع أقليات، لذلك فإن خطر التعليم الديني المدرسي فيه يكون كبيراً قياساً إلى بلدان أخرى ذات أغلبية دينية معينة، فأغلب المدارس في لبنان، وخاصة في العاصمة بيروت، تضم تلامذة من طوائف متعددة، الأمر الذي يفرض تقسيمهم وتشعيبهم في ساعات التعليم الديني، وبالتالي فإن أول إنطباع يتكون عند المتعلم/التلميذ عن الدين هي التفرقة والتمييز والتقسيم.

    والواقع أن المناهج اللبنانية الجديدة التي صدرت بهيكليتها التربوية عام 1997 لم تتضمن منهجاً لمادة التاريخ. ولكن صدر في 10/5/2000 منهج لهذه المادة ووضعت على أساسه كتب مدرسية للصفوف الإبتدائية الأولى الثلاث، لكن ما لبثت هذه الكتب أن سحبت من التداول، وكلفت لجنة جديدة بوضع منهاج ثانٍ لهذه المادة. وما زالت المدارس اللبنانية تعلم حتى اليوم في كتب مدرسية لمادة التاريخ موضوعة استناداً الى منهج العام 1971. والخلاف الأساسي في موضوع منهج التاريخ ما زال يتعلق بأحد الأبعاد الثلاث للمواطنة: الهوية.

  باعتبار الهوية تشمل تحديد “من نحن”. ومن هم أجدادنا وأسلافنا، إذ ما زال اللبنانيون رغم ما ورد في اتفاق الطائف مختلفون حول الماضي وحول الهوية[32].

   أما كتاب التربية المدنية فيعاني منهجه من مشكلتين: التفكك واللاتوازن، وهذا ما يفضي إلى الاستنتاج بأن الكتب المدرسية وضعت من خلفية غير واضحة استناداً الى اجتهاد المؤلفين وليس نحو تحقيق أهداف محددة تتعلق بالسلوك وقيم المواطنة بشكل أساسي، وهذا ما يلقي ظلالاً من الشك حول وفاء هذه المادة بمعظم المحكات المواطنية التي حلل على أساسها المنهج، بما فيها تلك التي وردت في الأهداف العامة أو في الموضوعات[33]، وكانت سلسلة من الدراسات حول الطلاب الجامعيين قد بيّنت أن الاتجاهات السياسية تحكمها انتماءاتهم الطائفية أكثر مما تحكمها انتماءاتهم الجامعية[34]، ما يعني ان دور الأسرة في التنشئة السياسية ودور الطائفة في التنشئة الطائفية، أقوى من دور المدرسة في التنشئة الوطنية، وهذا يعني ان المدرسة لا تقوم كما يجب بالدور الذي تقوم به الأسرة عادةً، أي تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات الفكرية المدنية والوطنية .

خلاصة

    يشكل التعليم الديني في مجتمع متنوع كلبنان إشكالية تربوية كبيرة، لكنه أيضاً جزءاً جوهرياً وتاريخياً من المشهد التربوي العام، فالطائفية والتربية تترك تأثيراً عميقاً في الاجتماع اللبناني، وإذا كانت الطائفية المتجذرة في بنى المجتمع ونفوس الأفراد وبنود المواثيق والاتفاقات والتشريعات والممارسات قد اعاقت الى حد بعيد الإستفادة من التنوع الروحي، بل وصلت خطورتها إلى درجة تهديد وحدة المجتمع وصيغة العيش الواحد بالتفكك والانقسام في محطات متعددة من تاريخه، الأمر الذي أدى الى إفقار مفهوم المواطنة وإفراغه من مضامينه التوحيدية الحقيقية ودفع بالتالي مكونات المجتمع الأهلي في لبنان الى البحث في مفردات الهوية ومحدداتها عند كل اختلاف وانقسام مهما كان شكله ومسبباته.

    لا شك أن الثقافة الدينية التي تتميز عن التعليم الديني، هي ضرورية لكل تعليم معاصر، فالدين، هو أيضاً ظاهرة اجتماعية يتجلى في نماذج وأشكال وممارسات حتى عندما يضعف الإيمان. ولكن السؤال أي نوع من الثقافة الدينية يحتاج إليه مجتمع متنوع الأديان والمذاهب؟ والهوية المواطنية الواحدة؟ وبالتالي ما هي الضمانات كي لا يتحول التعليم الديني ميدان احتراب مستتر، وتنافس يعكس حرباً باردة بين الطوائف قد تتحول إلى ساخنة عند أي خلاف أو انقسام؟ هذه الأسئلة الصعبة تتطلب الإجابة عليها مقاربة من نوع جديد تتجاوز المقاربة التقليدية كما تتجاوز المقاربة الاستبعادية التي تحصر الدين في المنزل أو الجامع والكنيسة. وهو تجاوز يفترض أن يفتح أبعاداً جديدة بإتجاه رؤية جديدة للتربية الدينية في المجتمع المتنوع يكون عمادها التسامح والمحبة وقبول الآخر واحترام خصوصيته وقيمه.

   ثمة رغبة تاريخية ثابتة ومؤكدة عند كل الطوائف في ممارسة التعليم الديني لأبناء مللهم، لكن درجة اهتمامهم وحسن تنظيمهم له وسعة انتشاره تتفاوت بينهم حسب العديد من المؤثرات في المقابل ثمة خوف وتردد من قبل الدولة للتدخل في هذا المجال لذلك ، يبقى الموضوع في لبنان مفتوحاً للنقاش بين مؤيد ومعارض للتعليم الديني المفتوح للطوائف والمحصور بيدها فقط وبين من يطالب بحصر التعليم الديني بالدولة عبر كتاب موّحد لتعليم القيم الحضارية الدينية المشتركة بعيداً عن الطوائف والمذاهب، بحيث تبقى المدرسة الرسمية هي الجامع المشترك بين اللبنانيين.. وهو نقاش لم يغلق بعد..؟


 [1] انظر كتابنا السلطة في بلاد الشام، دار النفائس، 1993، ص 182-183 والفصل المخصص للنظام المدرسي العثماني في ولايات الشام، ص169.

[2] حسين القوتلي، التعليم الإسلامي في المدارس الرسمية، كتاب لبنان والتربية الإسلامية، ج1، د.ط، جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، بيروت، 1981، ص52.

[3]  البرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة: دار النهار للنشر، بيروت، ط 3، 1977، ص 128-129.

[4]  وهيب قدورة: كلية التربية والتعليم الإسلامية في طرابلس، التأسيس والدور التربوي- الإجتماعي رسالة دبلوم معمقة في علم إجتماع التربية / الحامعة اللبنانية معهد العلوم الإجتماعية/ 1983،ص28..                                                                                                                 – هلا سليمان: دور الإرساليات الأجنبية في مدينة طرابلس، رسالة ماجيستير في التاريخ، جامعة القديس يوسف،1982.                                  

 [5] مفيد ابو مراد: التعليم مجاني، حكاية منذ العهد العثماني، النهار في 9/12/1982.

[6]  عبد اللطيف اسوم: المدارس الحكومية في طرابلس في الربع الاخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، رسالة كفاءة في التاريخ، كلية التربية في الجامعة اللبنانية، 1977، ص 13.                                                                                                               

[7]   لمزيد من التوسع في هذا الجانب راجع خالد زياده: اكتشاف التقدم الاوروبي، دار الطليعة، بيروت، 1981.

[8] عبد العزيز محمد عوض: الادارة العثمانية في ولاية سوريا، دار المعارف بمصر.

[9]  رضوان السيد: المسلمون في لبنان: الحياة الدينية والثقافية انظر Almul taha.net

[10] نبيل قسطنطين ، مسار التعليم الديني المدرسي في تاريخ لبنان، من منشورات الجامعة الأميركية، بيروت، 2000، ص13.

[11]  نبيل قسطنطين، م.س، ص15.

[12] نقولا يوسف سماحة: الكنيستان الرونية والارثوذكسية، في مجال الخدمة الاجتماعية، دراسة سوسيولوجية مقارنة في النطاق اللبناني (1975-1995)، اطروحة دكتوراه لبنانية، الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية ، 2003،ص 165.

[13] خطة النهوض التربوي في لبنان الصادرة عن وزارة التربية (1996)، الفقرة ج، ص 6

[14] المرجع السابق: الفقرة ج ، ص 9.

[15] د. مروان قباني : واقع التعليم الديني في لبنان، معهد طرابلس الجامعي للدراسات، طرابلس 1996، ص 124.

[16] د. مروان قباني : المرجع السابق، ص 125.

[17] يوسف مروه: مناهج التعليم لمادة التربية الإسلامية كما وضعتها لجنة التربية الدينية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، معهد طرابلس الجامعي، أعمال المؤتمر التربوي الإسلامي، 1996،ص 155                                                                         .

[18] أنظر : المؤتمر التربوي الإسلامي (1996)، جمعية الإصلاح الإسلامية، معهد طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية، طرابلس لبنان، الصفحات (158-171).

[19] المحاولة التي قام بها الدكتور مروان قباني لم تستكمل ولم يتم تبنيها من الأوقاف الإسلامية، مع إنه مديرها العام، ولا تزال مادة التربية الدينية تعتمد على كتاب الشيخ محمد بخاش بالنسبة لدوائر الأوقاف وهو كتاب تم إعداده في بداية السيتينات من القرن الماضي، وهو على أهميته يحتاج الى تحديث ومنهجية جديدة. ومن الكتب المعتمدة في التدريس “الثقافة الدينية” لمحمد طاهر اللاذقاني و”مناهج الشريعة” لأحمد العجوز في المرحلة الثانوية.

[20] أنظر : وضاح شرارة : دولة حزب الله، لبنان مجتمعاً إسلامياً، دار النهار، بيروت، 1996، 7                            

[21]جريدة الديار اللبنانية 7/1/2000                                                                                                                         

[22]  المؤتمر التربوي الإسلامي : المرجع السابق، ص 265 .                                                                                                      

[23] اميل مارون: الكنيسة المارونية، أي بنية؟ وأية دعوات؟ لأي دور في المجتمع اللبناني المعاصر؟ أطروحة دكتوراه في الجامعة اللبنانية، 1996، ص67 و 68.

[24] نقولا يوسف سماحة: مرجع سابق، ص178.

[25] المرجع السابق: ص198.

[26] نقولا يوسف سماحة: مرجع سابق، ص216.

[27] انظر في هذا المجال: هلال علوية: التربية الدينية من خلال مادة التعليم الديني في مدارس الطوائف اللبنانية، معهد العلوم الإجتماعية، رسالة دبلوم، 1997، ص84؛ وأيضاً منير خير الله: المنهاج العام الموحد للتعليم المسيحي وكتبه، مجلة البشرى عدد 6، المركز الكاثوليكي للتعليم المسيحي 1987، ص20-21؛ أيضاً أنظر: محمد سلامي: التعليم الديني وانتاج المعرفة والسلوك الدينيين في الصفوف الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، رسالة أعدت لنيل شهادة الدبلوم دراسات معمقة في علم الاجتماع التربوي من الجامعة اللبنانية، 2003، ص60.

[28]  طلال عتريسي: الذات والآخر في كتب التعليم الديني عند الطوائف اللبنانية، في كتاب القيم والتعليم، الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، 2001، ص318-333.

[29] شربل انطون: حول مضامين كتب التعليم الديني المدرسي في لبنان، في كتاب التعليم الديني الزامي في لبنان، حركة حقوق الناس، 2001

[30] رولا موسى فاضل: أثر تدريس مادة التربية الدينية على طلاب مرحلة التعليم الثانوي عند مختلف الطوائف اللبنانية، رسالة دبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع التربوي، 2005-2006، ص67.

[31] الهام البساط: المدرسة والتعليم الديني، جريدة النهار في 2/4/1997، ص7؛ وأيضاً مفيد مراد: نحو تثقيف ديني يتجاوز التطبيق الفئوي، جريدة النهار في 24/4/1997، ص5.

[32] عدنان الأمين: “أي مواطنة للبنانيين وللبنان”، ضمن كتاب إشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان، دار الفارابي، بيروت، 2009، ص35.

[33] المرجع السابق: ص36.

[34] من هذه الدراسات: عدنان الأمين ومحمد فاعور: الطلاب الجامعيون واتجاهاتهم – ارث الانقسامات، بيروت، الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، 1998؛ ونجوى الفقيه: دور الجامعة اللبنانية في تكوين النخب، أطروحة دكتوراه، معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية، 2008.

 

 

 

 

الشورى والديمقراطية: مسار التجربة والمفهوم بقلم الدكتور عبد الغني عماد

الشورى والديمقراطية: مسار التجربة والمفهوم

 

  جاءت الأوراق المقدمة في هذا المحور تحديداً في صميم المواضيع والإشكاليات التي أتابعها، والورقة التي قدمها الزميل الدكتور أحمد الموصلي غنية في مصادرها وتناولها لما أسماه جدليات الشورى وإن كان القسم الثاني من الورقة والمعنون بجدليات الديموقراطية يحتاج بتقديري إلى مزيد من الإغناء رغم الجهد المبذول. الورقة بشكل عام تستعرض مجمل الإتجاهات والمواقف لذلك هي توثيقية وتوصيفية بامتياز، وهذا لا يقلل من أهميتها بقدر ما يجعلنا نحترم الموضوعية والحيادية التي أصرّ الباحث أن  يتمسك بها بكيفية ما، وإن كنت أفضل أن تكون الخاتمة متضمنة لإستخلاصات أكثر وأوسع في مجالها، وبذلك يمكن أن نستفيد أكثر من خبرة الباحث ورأيه المباشر في هذه المواضيع .

  أما ورقة الدكتور حيدر إبراهيم علي فهي تتميز بأهمية خاصة، فهي لم تكتف بالقراءة النظرية أو الفكرية لتجليات الديموقراطية في عالمنا العربي، لكنها أيضا تضمنت قراءة نقدية ومراجعة لما هو شائع وسائد في أوساط القوميين العرب. لكنني لم أفهم لماذا اكتفت هذه الورقة بالمنظور القومي الليبرالي؟ ولماذا غاب عن هذا المحور المنظور القومي اليساري أو الإشتراكي؟ وهذه بتقديري ثغرة ينبغي تداركها. في كل الحوال لدي مجموعة من الملاحظات لا تستهدف السجال وإنما إغناء وتعميق النقاش وتوسيع آفاقه وهي تندرج في إطار القراءة النقدية لمسارات التجربة وملابساتها.

- تساؤلات بين المصطلحات والمفاهيم:

  تتطلب مناقشة هذا الموضوع تحديد نقطة انطلاق لمقاربة المصطلحين بداية، الشورى والديموقراطية. ويفترض الأمر بالتالي عدة خطوات لحصر المقاربة ضمن إطار من التساؤلات التي يستدعيها مثل هذا النقاش والتي لا تزال تشكل محور استقطاب للعديد من الأبحاث التي تدور حول هذا الموضوع. ويبدأ النقاش دائماً بما قاله النص الديني عن الشورى وكيف يبتعد هذا القول أو يقترب من الديموقراطية؟ ثم يذهب لتحديد نقاط الإلتقاء ونقاط الإختلاف؟ ثم هل نكتفي بما قاله الإسلام أم نتجاوز ذلك إلى ما فعله ومارسه المسلمون في هذا المجال تاريخياً لنرصد تطور المفهوم على أرض الواقع؟

  وبعد ذلك نطرح السؤال حول الهدف من إثارة مثل هذا النقاش الآن وبعدها تنتقل المقاربة النظرية إلى معاينة التجربة الديموقراطية للحركات الإسلامية وانعكاس هذه الممارسة على الفكر والممارسة.

  لا شك أن النقاش في مثل هذا الموضوع له محاذير، حيث تتداخل فيه الحجج التبريرية والدفاعية مع التحليلات العقلانية والموضوعية وتغيب بالتالي الحدود والمرجعيات بين النص الأصيل في الخطاب الإسلامي والنص المجدد والمتنور المستند إلى الإجتهاد، مما ينتج تبعثراً في المواقف وتعدداً إلى درجة التناقض.

  دخلت ثنائية الديمقراطية والشورى إلى دائرة السجال الفكري في إطار محاولات التجديد والمعاصرة، وسعى البعض إلى تأصيل الجديد أو الحديث ليأتلف مع القديم والأصيل، في حين سعى البعض الآخر إلى تحديث الأصيل والقديم ليواكب المعاصر والحديث. وهي عملية وإن كانت تتم من موقعين مختلفين إلا أنها تستخدم مناهج وأدوات إسلامية أصولية. فاللجوء إلى القياس أو الرأي، وإلى الإجتهاد عموماً لا يحل التناقض. لأن كلا المفهومين، الشورى والديموقراطية ينتميان إلى بنيتين فكريتين مختلفتين، ولهما عناصر وجزئيات ومكونات مختلفة ومتباينة تطورت ضمن سيرورات تاريخية وظروف اجتماعية مختلفة تماماً. لذلك يظل انتزاع أي مفهوم من سياق بنيته الفكرية عملية معقدة وفي بعض الأحيان تضر بالإثنين، إذ يفرغه من مضمونه الأصلي، وفي الوقت نفسه يصعب دمجه أو تمثيله في البنية الأخرى[i]، إن كل مفهوم بالتالي هو نتاج بنية ومنظومة.

  في إطار هذا الفهم هل هناك ضرورة حقيقية لإدراج مفهوم الديموقراطية ضمن بنية الفكر الإسلامي. أم أن مفهوم الشورى ممكن أن يكون مقابلاً أو بديلاً كاملاً يغني عن استعادة ذلك المفهوم الأجنبي؟

  تتعدد المواقف والإجابات “الإسلامية” على هذا السؤال بحسب موقعها ومرجعيتها الإجتهادية وهي تبدأ بالأصولية الحرفية أو “النصوصية” إلى الإصلاحية المتنورة وصولاً إلى التوفيقية الذي تأخذ من هذا وذاك لتنتج خليطاً يقترب أو يبتعد من أحد الطرفين. وهذا الأمر يفتح النقاش على تساؤل مهم: ماذا يمكن أن يأخذ الإسلام من الثقافات الأخرى؟ وهذا السؤال يتبعه سؤال آخر استنكاري: ولماذا نأخذ؟ ولهذا الاستنكار مبرراته، فالرؤية الأصولية للإسلام تمتاز بالشمولية والكمال الذي تنسبه لنفسها بحكم طبيعة الرسالة وربانيتها أو قدسيتها؟ ثم أليس في الأخذ، حسب وجهة نظرها، إضافة إلى الأصل؟ ثم ألا يؤدي قبول الإضافة إلى الإعتراف بنقصان الأصل؟ هذه التساؤلات تفضي إلى استحالة الديموقراطية في الإسلام، وهذه حقاً إشكالية صعبة وضعت فيها الأصولية المحافظة المسألة برمتها وأغلقت عليها الأقفال. لكن الممارسة تشاء دائماً طريقاً آخر يأبى الجمود ويتيح آفاقاً رحبة للتغيرات الآتية من رحم واقع دائم الحركة.

  ولا شك أن الحديث عن الشورى في المجال السياسي ليس من نتاج الحقبة الراهنة. كذلك فإن مشابهتها بنمط معين من أنماط الحكم ليس جديداً أيضاً. والمسألة في التجربة التاريخية للإسلام فيها بعض الإلتباس الذي استقطب جدليات هامة. لذلك يستحق الأمر التوقف لقراءة التجربة لتبيان العلاقة بين النص والتاريخ من جهة وتبيان خصوصية المجال الثقافي التاريخي للإسلام.د

- الشورى والديمقراطية : تقاطعات وملابسات ومواجهات:

  يتحدث القرآن الكريم عن الشورى مرتين. الأولى في “سورة الشورى” (الآيات 36-39) وفيها:    b..وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ dوالثانية في سورة “آل عمران” (الآية 159) وفيها: bوَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ d. الملاحظ أن آيات “سورة الشورى” مكّية، أي قبل قيام الجماعة السياسية الإسلامية. أما آية سورة “آل عمران” فهي مدنية. والملاحظ ورود مفردة “الأمر” في الحالتين. فما هو هذا “الأمر”؟ حسب “الراغب الأصفهاني” في مفردات القرآن إن “الأمر” لفظ عام “للأفعال والأقوال كلها” حسب المفسّر الكبير الطبري إنه في الآية الثانية دعوة للنبي r إلى المشاورة في الأمور كلها من أجل التوفيق والتسديد[ii]. ومع ذلك فهذا الفهم الواسع للأمر باعتباره سلطة شائعة في الأمة متأخر بعض الشيء فالطبري توفي عام 310 للهجرة والأصفهاني عاش في القرن الخامس الهجري. لذلك لا مناص من العودة إلى القرن الأول حيث كانت الشورى موطناً أساسياً من مواطن الصراع السياسي. فتعليقاً على الطريقة التي وصل فيها أبو بكر إلى الخلافة يقول عمر بن الخطاب: ” إن بيعة أبي بكر كانت فلتة: وقى الله شرها… فمن بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فإنه لا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغرَّة أن يقتلا “، وفي قول آخر له يقول “الإمارة شورى”. لكننا نعرف فيما بعد أنه اختار ستة كلهم من قريش، وحصر فيهم حق الإتفاق على واحد منهم يعرضونه على الناس للبيعة. لذلك فالراجح أنه كان يرى أن “حق الاختيار” وليس “حق الولاية” فقط محصور بفئة معينة من الناس راعى فيهم أمرين اثنين: سابقتهم في الإسلام ووجاهتم في قريش. فهم فئة محدودة العدد، وليسوا الأمة كلها أو معظمها. ويبدو أن هذا هو ما عناه بأن بيعة “أبي بكر” كانت فلتة، أي فجأة لم يُعدَّ لها السابقون إلى الإسلام الذين يعتبرهم “عمر” أولي الأمر وأصحاب الشورى وأهلها[iii]. ويبدو أن هذا الفهم للشورى كان متعارفاً عليه بين كبار الصحابة، فقد قال الإمام “علي” راداً على من دعوه إلى إعادة الأمر شورى: “ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس ما إلى ذلك سبيل، لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها. ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار”[iv].

  هذا الفهم الملتبس رافق تطبيق الشورى في القرن الأول، وهو ما دفع أنصار “معاوية ” إلى مهاجمة الشورى باعتبارها ما عادت حقاً لأهل السابقة أو القرابة، بحجة أن هؤلاء وأولئك تركوا “عثمان” يقتل بين ظهرانيهم، بل إن بعضهم شارك في دمه، مع أنهم سبق أن بايعوه من قبل. لقد تحولت الشورى بعد هذا إلى موضوع من موضوعات الصراع السياسي على السلطة. فما ثار ثائر على الأمويين إلا ودعا إلى إعادة الأمر شورى، والجديد أن بعض الفئات الثائرة التي سميت بالخوارج ذهبت في ستينات القرن الهجري الأول إلى أن الولاية ليست قصراً على قريش، بل من حقّ كل مسلم بالغ حرّ عاقل أن يترشح لها، ويصل إليها إن بايعه المسلمون. لكن ديموقراطية الخوارج هذه كانت مقصورة عليهم هم، فهم المؤمنون، وما عداهم من المسلمين يتراوح أمره بين الضلال الجزئي أو الكامل.

  على أن الممارسة القائمة على الشورى حولت الخلافة القائمة على الشورى إلى “ملك وراثي عضوض” حسب تعبير “ابن خلدون”. هذه الاشكالية نجدها حاضرة في الكتابات التاريخية الإسلامية وعلى يد فقهاء معتبرين وفي مقدمتهم الماوردي والغزالي والطرطوشي وابن حداد وابن عقيل وابن تيمية وابن خلدون. والمنطلقات العامة التي تجمع هؤلاء تتجه إلى الإعتقاد بأن “نظام الدنيا” ينبغي أن يستند إلى مبدأين أساسيين، هما: السلطان القاهر والعدل الشامل. لكن مبدأ العدل يتقدم على غيره. وهذا يتجاوز المجال السياسي إلى المجال القانوني أو الشرعي إذ هو يعني تأدية الأمانات إلى أهلها مثلما يعني “التوسط” في الأمور وعدم الخروج “من حال العدل إلى ما ليس بعدل من حالتي الزيادة والنقصان”. والإشكالية التي واجهت هؤلاء هي حين يصبح السلطان أو الخليفة أو الأمير “مضاداً للعدل” في مسيرته وفعله، أي حين يصبح “جائراً “. الجواب الشائع والغالب هو أن وحدة الجماعة أو الأمة تتقدم على أي اعتبار آخر. وبالتالي فإن “الخيار الشرعي” هو وجوب الإتباع والإنقياد والطاعة لهذا الحاكم “لجائر” فلا يجوز الوثوب عليه أو عصيانه ” فالإمام الجائر خير من الفتنة ” ولكي يخفف هؤلاء من شرور الدولة والسلطان الجائر اتجهوا إلى ما سمي بالنصائح والكلام الطيب وأكثروا من كتب “مرايا الملوك والأمراء” ليدفعوه إلى الترفق في معاملة الرعية وليكون أرحم بالعباد وأقرب إلى مقاصد الشريعة. ودعوه إلى الأخذ بمبادئ الشورى التي لم يقل أحد منهم أنها ينبغي أن تكون ملزمة. إذ أن فكرة الشورى الملزمة لم تبرز إلا في الفكر الإجتهادي الإسلامي المعاصر، تحت تأثير الديموقراطية التمثيلية الغربية. ولم يمنع هذا الإتجاه الغالب بعض التيارات والفرق الإسلامية من تأخذ بمبدأ الثورة “وشق عصا الطاعة” كالخوارج والزيدية وغيرهم، كما أن بعض المسلمين آثر اعتزال السلطان والإبتعاد عنه والسكوت عنه وعدم العمل معه أو له، لكن الإتجاه الأغلب جنح إلى الطاعة وإطلاق يد السلطان أو الإمام في أمور الحكم والسياسة، حتى استقر هذا المبدأ إلى مطلع العصر الحديث.

  هل عرفت التجربة الإسلامية التاريخية الديموقراطية بمعناها الشائع المعاصر؟ الحقيقة أنها عرفت وجوهاً مجتزأة أو مبسترة من هذا المفهوم. فالشورى تأذن بشكل من أشكال “المشاركة” التي هي أحد أسس الديموقراطية لكن عدم التوسع فيها وغياب معنى الإلزام فيها ينأيان بها عن الشرط الديموقراطي. والبيعة وجه من وجوه “الإختيار” الذي هو أحد أسس الديموقراطية لكن “الطريقة” التي كان يتم بها تاريخياً أضعفت هذا الوجه أيضاً. ومن المؤكد أن مفهوم “أهل العقد والحل” في عملية الشورى مفهوم يقرب من المبدأ “التمثيلي” في الديموقراطية الحديثة. لكن ضيق دائرتهم والخلاف حول هويتهم، أي: من هم أهل الحل والعقد يحدث، اضطراباً في المفهوم. أما مفهوم “الإجماع” فهو أيضاً مفهوم إسلامي، وهو أيضاً مفهوم جمهوري. ويقترب الماوردي والغزالي وابن تيمية وابن خلدون من الصيغة الديموقراطية الحديثة حين يقرون أن المبدأ في تولية من ينهض بالرئاسة العليا للدولة هو الإختيار المستند إلى “اتفاق السواد الأعظم من الأمة” (ابن تيمية)، وأن الكثرة هي مناط الترجيح عند الإختيار وأن “الإمام من انعقدت له البيعة من الأكثر” (الغزالي). وأن “الكثرة والإشياع وتناصر أهل الاتفاق والإجتماع أقوى مسلك من مسالك الترجيح” (الغزالي أيضاً). وأن صحة الإختيار مرتبطة “بقول الأكثرين من أهل المسجد” (الماوردي). لكن ابن يتيمة يدخل عاملاً حاسماً في عملية الإختيار التمثيلي هو عامل “أهل الشوكة” وأما ابن خلدون فيدخل عامل “العصبية”. فعند ابن تيمية إنه يتعذر على أحد أن يكون إماماً نافذاً في غياب “أهل الشوكة”. وابن خلدون يرى أن الشورى والحل والعقد لا تكون إلا لصاحب عصبية “يقتدر” بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك. ومن لا “عصبية” له ولا “قدرة” لا يملك أن يكون سلطاناً أو إماماً.

  ومعنى ذلك كله أن الإختيار الأغلب في النهاية اختيار شكلي. وأن الأمر هو بيد “قوة” سلطانية ما تستبد بالأمر وفق هواها. وأن رأي الأغلبية غير ذي وزن. وبذا يتبدد الشرط الديموقراطي – وفق التحديد الحديث- ويكشف الغطاء في حقيقة الأمر عن قوة استبدادية”[v]. ومع ذلك ينبغي التنبه أن ابن تيمية وابن خلدون كانا في حقيقة الأمر حين نبها إلى عنصر الشوكة وعنصر العصبية، يشخصّان ما يحدث فعلاً في واقع الأمر، ويحاولان تبريره واسباغ مسوغات عقلية وشرعية له، ولم يقولا أن الأمور ينبغي أن تكون على هذا النهج، لقد كانا كلاهما في هذه المسألة مفكرأ واقعياً على نحو بيّن.

  في الخلاصة أن المسألة في إطار التجربة التاريخية العربية الإسلامية ليست مطابقة “للنموذج الديموقراطي” بمعناه الحديث المنحدر من “أثينا”. وهو لم يتبلور في هذا الإتجاه وإن قام بعض الشبه الشكلاني بين هذه العناصر وتلك المقومات على نحو أو آخر. لذلك فالمشابهة غير واردة، وهي تطرح في الغالب لتقوم بوظيفة الفكر السياسي التأسيسي أو التسويغي. أما في واقع الأمر فلا أحد يجهل أو ينكر أن النظم السياسية التي سادت الممالك الإسلامية عبر العصور المختلفة ومنذ تحولت الخلافة إلى “مُلك” لم تكن نظماً ذات شبه قريب أو بعيد بالنظام الذي يطلق عليه في العصور الحديثة النظام الديموقراطي.

 

  كان علينا أن ننتظر أزمنة متعددة ومتطاولة كي نشهد تحولات حقيقية في المفهوم، وهو الأمر الذي لم يحدث بفواعل ذاتية في هذا المجال. فالحقيقة أن التدخل الغربي الحديث في وقائع الإجتماع والإقتصاد والسياسة العربية والإسلامية وما نتج عنه من اتصال بين عالمي العرب والغرب والذي طرح بحدة سؤال النهضة التاريخي: لماذا تقدموا وتخلفنا؟ وهو السؤال الذي كان جسر العبور أو القناة التي مرت من خلالها الأفكار الجديدة. وقد أصبح معروفاً أن “رفاعة الطهطاوي” و”خير الدين التونسي” مثّلا طليعة قوى التغيير الجديدة، وأن “الأنوار” الفرنسية أدت دوراً حاسماً في هذه العملية وأن أفكار الحرية والمساواة والعدالة قد تصدرت الظاهرة برمتها.

  كان الطهطاوي مفتوناً حقاً بهذه المساواة الفذة أمام القانون، وبتلك الحرية التي توهم بأنها عين العدل والإنصاف اللذين طالما تغنى بهما أهل الإسلام[vi] على الرغم من أنه يأخذ على الفرنسيين مبالغتهم في النزعة “العقلانية” وفي الإحتكام إلى “الحسن والقبح الذاتيين” أو العقليين. وتعلق خير الدين بالمثال الأوروبي القائم على الأخذ بالتنظيمات الدنيوية المفضية إلى طريق الثروة وترويج الصناعات. وهو لم يغفل قضية العدل ومشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة بمقتضى القانون. واعتبر أن المصلحة تقتضي لتقدم أحوال الإسلام تأسيس هذه التنظيمات القائمة على الحرية والعدل والشورى والقانون. ومذهب خير الدين هنا، مثله في ذلك مثل الطهطاوي، يقترب بشكل صريح بما أمكن تسميته بـ “الديموقراطية الجمهورية”[vii].

  هذه الطروحات دفعت الأمور باتجاه النقد العنيف والحملة المتعددة الجهات من قبل مفكري النهضة العرب ضد ظاهرة الإستبداد و”الحكم المطلق” وكان “ابن أبي الضياف” في طليعة الناقدين باعتباره للاستبداد والحكم المطلق معارضاً للشرع والعقل، مستلهماً ابن خلدون باعتباره أغلب هذا الملك جور. وإن “جور الملك هو أقوى الأسباب في تدمير البلدان وتخريب العمران وانقراض الدول”. وفي المضاهاة التي عقدها بين أصناف الملك التي عرفها: الملك المطلق، الملك الجمهوري والملك المقيد بقانون، انحاز ابن أبي الضياف إلى هذا الحكم الأخير الذي رأى أنه يدور بين العقل وبين الشرع وأن صاحبه يتصرف بقانون يلتزم به ولا يتجاوزه، وخاصة حين ينفذ الأحكام بآليات تنشد العدل وتتمثل في “مجلس الشورى” أي البرلمان الذي ينتخبه الأهلون أو عامة الناس. وخلص إلى أن نظام الملك المقيّد، نظام حسن نافع يجلب الخير على الرغم مما يذهب إليه بعض المسلمين من الإعتقاد أنه بدعة في الإسلام وتشبه بغير أهل الملة الإسلامية[viii].

  وكان “عبد الرحمن الكواكبي” أصرح في مناهضة الإستبداد والحكم المطلق وفي دعوته إلى تأسيس “مجالس الشورى العمومية”، القائمة على أصول الإدارة الديموقراطية في “طبائع الإستبداد”[ix]. ومع السوري “عبد الرحمن الزهراوي”، بلغ المسار الديموقراطي في فكر عصر النهضة أوجه، فهو حمل كالكواكبي على استبداد حملة شعواء وجعله العدو الأكبر للتمدن وأكد أن الخلاص منه يكمن في الدستور والحكم التمثيلي والحرية. رحل الزهراوي عام 1916 ورحل بعده بقليل الإستبداد التركي الذي ناضل في وجهه وكان واحدأ من ضحاياه.

  وللسيد “رشيد رضا” رأي ثاقب في هذا المجال، فقد رأى أن تخلف المسلمين مطلع القرن الماضي وتداعي الأمم عليهم علّته السلطة الإستبدادية التي تحتكم في أمورهم وتجرّئ أحياناً الأجانب الغازين عليهم. ورأى أن الحل يكمن في سن سلطات الدستور الذي يحدد صلاحيات الحاكم ويشرك الشعب في السلطة. وهذا ما رآه الفقيه الإيراني الإمام “حسين نائيني” (1860-1936) الذي كان أكثر وضوحاً فتحدث عن الديموقراطية باعتبارها النقيض للإستبداد، وعن الشورى باعتبارها هي الديموقراطية. وما كان الرجلان راضيـين عن طريقة وصول حكام الشرق الإسلامي، ولكنهما اعتبرا ذلك “سلطنة الضرورة” التي لا يعني التسليم بها التسليم لها بالإستبداد بالعباد. بل لا بد من وجود دستور وشورى وديموقراطية سعياً باتجاه وقت يستحيل فيه على الواصلين إلى السلطة بالقوة أن يبقوا فيها[x]. وتنبه رشيد رضا بسرعة إلى فكرة المؤسسات والقوى السياسية المتعددة فدعى إلى إنشاء الجمعيات والهيئات (أي الأحزاب) كما رأى أن أهل الحل والعقد التاريخيين يمكن أن يتحددوا بالإنتخاب العام فيراقبوا السلطة التنفيذية حسب المصلحة ويقيمون التوازن المطلوب كي لا تطغى قوة اجتماعية أو سياسية على غيرها أو يطغى عليها جميعاً السلطان.

  وظل الأمر على هذا النحو بمعنى المشابهة بين الشورى والدستور تارة، وبين الشورى والديموقراطية تارة أخرى حتى الخمسينات حيث صدر حينها كتاب “عباس محمود العقاد” “الديموقراطية في الإسلام”. لكن الخمسينات حملت رياح التغيير مع تصاعد النضال ضد الاستعمار الغربي الجاسم على أكثر ديار المسلمين وهو يدّعي الحفاظ على الديموقراطية وحقوق الإنسان. وبإسم حق الشعب في تقرير مصيره ونيل حقوقه الوطنية زرع الغرب دولة إسرائيل في فلسطين. ووسط ظروف الأزمات، ووجوه الضيق تتصاعد عادة مسألة الهوية الخاصة والحرص على التمايز عن الغريب، خصوصاً إذا كان ذلك الغريب مستعمراً. هكذا بدأ الحديث عن الإستقلال الحضاري والثقافي وعن شرور الحضارة الغربية. وقد افتتح هذا الحديث عن الفروق والتمايز المرحوم “ضياء الدين الريس” الذي تجاهل محاولات المشابهة والتقريب بين الإسلام والديموقراطية في دعوات المفكرين حتى الأربعينات، وحدد الفروق بثلاثة أمور: غياب فكرة الشعب أو الأمة بالمعنى القومي الغربي، معتبراً أهداف الديموقراطية الإسلامية – إذا صح التعبير- مزدوجة: دنيوية وآخروية، وأن سلطة الأمة في الديموقراطية الغربية مطلقة، بينما هي في الإسلام مقيدة بالشريعة، فنظام الشورى في الإسلام فريد بنظره لا يتطابق مع النظم الأخرى، لذا فالأفضل الإقتصار على تسميته بالنظام الإسلامي تمييزاً له عن كل النظم الموجودة في العالم[xi].

  في هذا المناخ واصل التطلع الديموقراطي المناهض للإستبداد طروحاته باعتباره وجهاً من وجوه التحرر العربي على الرغم من المواقف المتحفظة التي عبرت عنها القوى الدينية التقليدية في شأن هذا النظام الوافد من الغرب، وعلى الرغم مما ذهبت إليه بعض الحركات الدينية السياسية من تقرير بأن هذا النظام “نظام كفر” إذ هو يستبدل بإرادة الله وحكمه إرادة الشعب وحكمه، وهو ما عرف بتيار “الحاكمية”. في كل الأحوال لم تكن تيارات الإسلام السياسي كلها مضادة لهذا النمط من الحكم، فقد تقبل مفكرون ودعاة منهم بعضاً من قواعد هذا النظام، وبذل بعضهم جهوداً ملموسة لتقريب هذا النظام من الشورى، إذ اختاروا أن تكون الشورى مُلزمة لا مُعلمة فحسب، وعززوا بهذا الإختيار مبدأ “الأغلبية التمثيلية” و”سيادة الأمة”، لكن الإجماع عند الإسلاميين واضح في الاعتقاد بأن نظام الشورى ليس هو الديموقراطية الخالصة مثلما أنه ليس التيوقراطية الخالصة. فهم يوافقون الديموقراطية في مبدأ اختيار الحاكم وطلب مبادئ العدالة والمساواة والحرية، إلا أنهم يفارقونها في تقييد الحاكمين والمحكومين بالشريعة الإلهية في جميع الأحكام التي وردت فيها نصوص. إنهم في النهاية يقرون بـ”الديموقراطية المقيدة” حسب تعبير المفكر المغربي “علال الفاسي”. في المقابل استمر تيار التحرر والتنوير بين الحربين في مساره، فربط “طه حسين” “مستقبل الثقافة في مصر” بالقيم الغربية الحديثة المشبعة بروح الديموقراطية، ودافع “قاسم أمين” عن مبادئ الحرية والمساواة بالدعوة إلى تحرير المرأة، وأقدم الأزهري الشيخ “علي عبد الرازق” على أطروحة خطيرة إذ وجه نقده إلى نظام الخلافة وأخرجه عن دائرة الشرع، ليخلص إلى أن نظاماً في السياسة الدنيوية البشرية لن يكون شيئاً آخر غير الديموقراطية.

  أما بالنسبة لمفكري الشيعة فمنذ أن وقف الإمام “محمد حسين النائيني” (1860-1936) في مواجهة الإستبداد المدعوم من “إكليروس شيعي سلطاني” كما كان يسميه في كتابه “تنبيه الأمة وتنـزيه الملّة في وجوب المشروطة” والمشروطة هذه هي اللائحة الدستورية التي كان يطالب بها في إطار حركة شملت إيران كلها وهدفت إلى الحد من الإستبداد السلطاني. ومنذ ذلك الحين طرحت مسألة الشورى على المستوى الشيعي، والتي اعتبرت في الفقه الشيعي غير ملزمة في حال الرسول والمعصوم تحديداً. إلا أن الإمام النائيني، ثم الإمام “محمد مهدي شمس الدين” فيما بعد يعتبر أنه في نطاق غيبة الإمام تكون “ولاية الأمة على نفسها” وفي هذه الحالة “الشورى هنا ملزمة قطعاً”. ويرى الإمام شمس الدين أن تعميم مبدأ عدم “إلزامية الشورى في حال النبي والمعصوم” وسحبها على بقية الحكام من بعدهما هي مصدر الإلتباس الذي كان مدخلاً للإستبداد والتفرد والاستئثار بالحكم. أما مسألة من له حق ممارسة الشورى وحصره بـ”أهل الحل والعقد” غير المعروفي العدد والمواصفات، فلا يعتبره الإمام شمس الدين جواباً كافياً بل مجرد مقولة اجتهادية ليست لها أصل تشريعي في الكتاب أو السنة، مفضلاً صيغة ” أولي الأمر” الواردة في القرآن، وهم عند الشيعة الأئمة المعصومون من أهل البيت، وبناء على أوسع التفاسير هم “النخبة” المعنية بمسائل الحكم والولاية والتنظيم الاقتصادي والعلمي…

  ويقدم الإمام شمس الدين رؤية متنورة للمسألة الديموقراطية فيرى أن لها ثلاث سمات، أولها خلفيتها الليبرالية، ولسنا ملزمين بها كنظرية وضعية، وثانيها يتمثل بكونها آلية لإدارة وتداول السلطة، ولا يوجد أي مانع في الكتاب أو السنة أو الفقه يمنع اعتماد طرائق أو أساليب ومؤسسات الديموقراطية، وثالثها يتمثل في كونها تشمل على آلية تشريعية لسنّ القوانين من خلال مجالس تمثيلية، ولا يرى مانعاً في هذا الأمر أيضاً ولكن فقط في “مساحة الفراغ” التي سكت عنها الشرع، وهي كبيرة وهامة. وهذه بتقديره عملية ضرورية، فهي عملية فقه واجتهاد، رغم تأكيده على وجود ثوابت تشريعية إسلامية. وهو يخلص إلى القول: أننا نختار الشورى كفلسفة حكم، ونختار آليات الديموقراطية، كأدوات وأجهزة ومؤسسات. فالديموقراطية هي أحسن “القول الغربي” في الجوانب التنظيمية لإدارة عملية تداول السلطة وانتقالها[xii].

- الحركات الإسلامية، فوبيا الديمقراطية وطوبى الشورى:

  يمثل “حسن البنا” زعيم ومؤسس جماعة الأخوان المسلمين أساساً مرجعياً وتنظيمياً لتيار سيمتد وينتشر في الزمان ليغطي حقبة تزيد عن سبعة عقود تفصل بين ميلاد الخطاب والحركة التنظيمية ونهاية القرن العشرين. تتلمذ حسن البنا على نحو غير مباشر للسيد “محمد رشيد رضا”، ويلاحظ القارئ في نصوصه السياسية مفارقة مثيرة وملفتة تتمثل بدفاعه عن الدستور والخيار التمثيلي النيابي، وهجومه الحاد على الحزبية والتعددية السياسية. ففي حديثه عن الدستور كمرجعية للحكم يقول البنا مخاطباً الأخوان: “إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأحوال كلها يتجلى للباحث فيها إنها تنطبق كل الإنطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم. ولهذا يعتقد الأخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاماً آخر”[xiii].

  يلاحظ في النص السابق استخدامه لتعبير حاسم في هذا الشأن، فهي أي الديموقراطية ” تنطبق كل الإنطباق” لكنه مع ذلك يذهب إلى التحفظ على الدستور المصري بحجة أن القوانين المستمدة من الدستور متناقضة مع تعاليم القرآن والسنة النبوية. وفيما يختص بالنظام التمثيلي يقرر أنه ” ليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتناقض مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم”[xiv] معترفاً بأصل هذا النظام الذي أخذ عن أوروبا، وهذا لا شكّ اعتراف متقدم في ذلك الحين. وهو يربط هذا النظام بأهل الحل والعقد ولا يخفي أن الإسلام لم يقدم تعريفاً لهوية هؤلاء، ولم يعينهم بأسمائهم وأشخاصهم. لذلك لا يجد غضاضة في القول: ” لقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخاب وطرائقه المختلفة” بحيث يخلص مستنتجاً أن الإسلام: لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد[xv] لكن الإشكالية أن حسن البنا يبدد هذا الإعتراف بالنظام النيابي حين يحوله إلى اعتراف مشروط، وهو خلوه من الحزبية، أي من التعددية الحزبية، وهو بهذا ينسف أسس النظام السياسي النيابي القائم على المنافسة الانتخابية بين الأحزاب والقوى السياسية، خاصة حين يعترف أن الأخوان جماعة سياسية، بالإضافة إلى كونها جماعة دعوية دينية، وبذلك يبيح لنفسه ويمنع لغيره ويفرغ مصداقيته وينسف مشروعه السياسي الذي شيده دفاعاً عن الحكم الدستوري والنظام التمثيلي النيابي.

  إلا أن المفكر الإسلامي الباكستاني “أبا الأعلى المودودي”، والذي تعتبر كتاباته من الكتابات المرجعية في التفكير السياسي المعاصر للحركات الإسلامية، يرفض إطلاق وصف الديموقراطية على الدولة الإسلامية بل يعتبر أن كلمة الحكومة الإلهية أو “الثيوقراطية” أصدق تعبيراً[xvi]، ويضيف: “الديموقراطية عبارة عن منهاج للحكم تكون السلطة فيه للشعب جميعاً، فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأي الجمهور، ولا تسنّ إلا حسب ما توحي به عقولهم، فلا يتغير فيه القانون إلا ما ارتضته أنفسهم، وكل ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور. هذه هي خصائص الديموقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء”[xvii]. يستلهم “سيد قطب” أحد تلاميذ حسن البنا، ومؤسس التيار التكفيري في الأخوان المسلمين، أفكار المودودي وخاصة فكرة الحاكمية الإلهية، حيث يعتبر العالم اليوم “يعيش جاهلية مدمرة شبيهة بتلك الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، لذلك يخلص إلى أنه لا بد من تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، وهي لا تقوم في أن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم، لكنها تقوم بانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد، ورده إلى الله وحده، وسيادة الشريعة الإلهية وإلغاء القوانين البشرية”[xviii]. ويبرز تأثر قطب الواضح أيضاً بأطروحة المفكر الباكستاني الإسلامي أبو الحسن الندوي، وخاصة كتابه الشهير “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” والذي صدر بالعربية مع بداية الخمسينات، ويعتبر فيه أن مسار عالم اليوم الذي تسوده الحضارة الغربية، هو مسار جاهلي.

  كان لأفكار سيد قطب تأثير بالغ في الأوساط الحركية الإسلامية، فهي دفعت باتجاه تبني خيار الرفض الكامل القائم على “الإستعلاء والعزلة الشعورية” لمجتمع الكفر والجاهلية وإقامة الدولة الإسلامية التي لا تقوم إلا على “الحاكمية الإلهية”، بل أن هذه الطروحات أسست وسوغت استخدام العنف في دار الإسلام بداعي شيوع الجاهلية فيه[xix]. ويذهب طارق البشري إلى القول أن جذور فكر قطب موجودة في “التنظيم الخاص” الذي أسسه حسن البنا كتنظيم سري داخل الإخوان المسلمين في الأربعينات لأغراض أمنية، والذي تحول مع الأيام إلى ما يشبه المنظمة العسكرية المنغلقة. ومع أن قطب لم يكن في عداد هؤلاء إلا أنه كان يجد فيهم “النواة” المؤمنة لإقامة “دولة القرآن”. ويذهب قطب بعيداً عن حسن البنا حين يبدد بقايا النزعة الإصلاحية عند الأخوان، فهو يسخر من معتنقي الفكرة الدستورية والنيابية ويرفض الواقعية السياسية ويطيح بالمشروع السياسي الذي أسسه أستاذه، بل ويعتبر بوضوح جازم أن جميع المجتمعات القائمة اليوم بما فيها من شرائع وقوانين، إنما هي مجتمعات جاهلية، وهو يسميها قطعاً للجدل بحيث تشمل كل المجتمعات الإنسانية القائمة (الشيوعية والوثنية والبوذية والكونفوشيوسية والأفريقية والنصرانية واليهودية…) ويضيف إليها تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة[xx]. ويذهب “محمد قطب” شقيق سيد، فيما بعد في كتابه “جاهلية القرن العشرين” إلى تأكيد هذا التقسيم الثنائي: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. والديموقراطية حيث انها ليس حكم الله فهي في ميزان الله جاهلية[xxi]. يمثل هذا الطرح المتشدد نموذجاً لمقولات ستجد صدى لها وسط الشباب المسلم، بل حتى بين بعض المثقفين لما فيها من راديكالية جذرية، إلا أنها ستؤسس لمدرسة العنف في الداخل الإسلامي وللصدام والقطيعة مع الآخر.

  يمكن القول أن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بقي أسير التجاذب والإضطراب الفكري حتى بين العناصر الأكثر انفتاحاً أو اعتدالاً. ففي العقد الأخير من القرن المنصرم ارتفعت وتيرة النقاش وحصل نوع من الفرز بين التيارات الإسلامية حول موضوع الديموقراطية. فالشيخ “يوسف القرضاوي” الذي نجح في تقديم نفسه كمجتهد وداعية معتدل، لكنه مع هذا يعتبر كل الفلسفات الإنسانية والأفكار الوضعية ومنها الديموقراطية ” لا تستحق أن تحمل شرف الانتساب إلى الإسلام الذي يعلو ولا يعلى”[xxii] لكنه يستدرك ويقول أن بعض الأمور تستوجب الإقتباس من الغير، مثل الديموقراطية أو الحكم والإدارة عموماً، وهي بتقديره تعدّ بعد اقتباسها جزءاً من الحل الإسلامي، لذلك تراه يسارع ويمنحها شرف الإنتساب إلى الإسلام[xxiii]، لكنه مع هذا يذهب في مسألة الحكم إلى أنه يقوم “إما على أحكام الله أو على أحكام الجاهلية. ولا ينفي عن الحكم صفة الجاهلية أخذه ببعض أحكام الله، فقلما تخلو جاهلية قديمة أو حديثة من موافقتها لبعض أحكام الله في بعض الأمور”[xxiv] وهو في هذه الخلاصة يهدر ما سبق وأجازه حين تحدث عن الإقتباس. لكنه يذهب إلى تبني القول بوجوب الشورى وبأن نتائجها ملزمة “ما دامت صادرة عن أهلها في محلها” لكن المشكلة تبقى قائمة طالما لم يحدد من هم أهلها الذي لا يكون إلزامها إلا بوجودهم، وكيف يتم تعيينهم واختيارهم وحدود صلاحياتهم.

  ويحاول بعضهم أيضاً حل التناقض والإلتباس تحت وطأة الحاجة للديموقراطية فيذهب “حسن الترابي” إلى أنه يمكن للمسلمين في حال النهضة والتفوق استعمال المفاهيم الأجنبية من دون أي حساسية أو عقد لكنه يبدي الكثير من القلق والحذر في غير هذه الحالة لإمكانية تسرب القيم الغربية. ويذهب البعض إلى استيلاد مصطلحات جديدة مثل “الشوراقراطية” كما فعل “محفوظ نحناح” ومجموعته الوسطية الإسلامية في الجزائر.

  إلا أن المفكر الإسلامي “راشد الغنوشي” يقدم قراءة أكثر وضوحاً فيقول أن الديموقراطية تقدم أفضل آلية أو جهاز للحكم يمكّن المواطنين باستعماله من ممارسة الحريات الأساسية ومنها الحرية السياسية. ومع هذا القول يتسلح الغنوشي بمعرفة وافية بتاريخ الديموقراطية في الغرب الحديث. فالديموقراطية عنده شكل ومضمون، فهي من حيث الشكل إقرار بمبدأ سيادة الشعب وأنه مصدر السلطة، وهي سيادة يمارسها بالإنتخاب وبما يتمتع به من حقوق في المساواة وفصل السلطات والتنظيم السياسي والنقابي وحق الحكم للأغلبية وحق الأقلية في المعارضة من أجل حيازة السلطة شرعياً. أما من حيث المضمون فهي اعتراف بذاتية الإنسان وكرامته ونص على حقه في المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة على اعتبار أن “المشاركة على الصعيد الإجتماعي والسياسي هي جوهر المثال الذي يرنو إلى النموذج الديموقراطي وليس التمثيل” ثم على اعتبار أن المثل الأعلى للديموقراطية أن يصبح المحكومون حاكمين ليحققوا لأنفسهم بأنفسهم ما يتوقون إليه من أهداف وغايات[xxv]. ومع هذا الطرح المتقدم إلا أنه يستدرك نقدياً ليحافظ على مسافة منهجية كمسلم يتمتع بمنظومة قيم مختلفة، ليسجل تحفظاً فلسفياً، لا سياسياً على الديموقراطية الغربية. فيقول “أن موطن الداء ليس في الأجهزة الديموقراطية: الإنتخاب، البرلمان، الأغلبية، تعدد الأحزاب وحرية الصحافة بقدر ما هو كامن في فلسفات الغرب السياسية… تلك التي فصلت بين الروح والجسد، ثم تجاهلت الروح ووأدتها، وحاربت الله وجاهدت جهاداً كبيراً لإحلال الإنسان محله… إن مصائب الإنسانية لا تكمن في النظام الديموقراطي أو تقنياته المعروفة التي يمكن أن تعمل بنجاح وتشكل جهازاً صالحاً لتنظيم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين ونقل الشريعة من الشخص الحاكم إلى مؤسسة للحكم منبثقة عن إرادة الشعب”[xxvi].

  يمكن القول أن الغنوشي خطا خطوات جريئة بين أقرانه حيث شدد على أنه في إطار النظام الديموقراطي “يمكن أن تتم عملية تفعيل القيم السياسية التي جاء بها الإسلام، كالشورى والبيعة والإجماع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي التعاليم التي إنما جاءت لإقرار العدل وتحقيق السعادة البشرية، إذ يمكن للآليات الديموقراطية مثلما هو الأمر مع الآليات الصناعية باعتبارها إرثاً إنسانياً أن تعمل في مناخات ثقافية، وعلى أرضيات فكرية مختلفة”[xxvii].

  وفي هذا الإتجاه يذهب “عبد السلام ياسين” وحركته (جماعة العدل والإحسان) في المغرب فيقول: من المسلمين من يقول الديموقراطية غنيمة ومكسب للإنسان، هي المخرج لا غيره، وهي أخت الشورى الإسلامية ورديفتها وجنسها… ومن الإسلاميين من يصرح أن الديموقراطية كفر أو هي أخت الكفر… ليست الديموقراطية نقيض الكفر، إنما هي نقيض الإستبداد. نقيض الكفر الإيمان. فإن وقف علمنا عند محاولة معادلة ديموقراطية = كفر. فيكون بجانبها إيمان = استبداد. وهذه مقابلة تؤدي إلى أن نصبح مع كل مستبد يقول أنا مسلم ضد كل حر يقول أنا ديموقراطي، يتابع “كلمة ديموقراطية تعني حكم الشعب واختيار الشعب والاحتكام إلى الشعب، وهذا أمر ندعو إليه ولا نرضى بغيره. على يقين نحن من أن الشعب المسلم لن يختار الحكم إلا بما أنزل الله وهو الحكم الإسلامي وهو برنامجنا العام وأفق مشروعنا للتغيير… فإن حدث واختار الشعب في هذا القطر أو ذاك، في هذه المرحلة أو تلك أن يسير مع الديموقراطيين رجعنا على أنفسنا نتهمها بالتقصير في التعريف بما هو الحكم الإسلامي، واتخذنا وسائل تتيحها الديموقراطية النظيفة ولا يتيحها الإستبداد، لكي نبسط للناس ونشرح للناس ونخالط الناس حتى يعرفونا على حقيقتنا ويعرفوا الديموقراطيين على حقيقتهم”[xxviii]. في هذا النص تبني للخيار الديموقراطي بشكل واضح، لكن المفارقة أن مقاربته السياسية تتبنى الديموقراطية لكن مقاربته العقائدية تفرط بها. وهو بهذا يتبنى خطابين متناقضين، خطاب مدني منفتح وخطاب ديني منغلق. هذه الإزدواجية لا تزال في وعيه ووعي الكثير من الإسلاميين حين يقاربون الواقع السياسي بشكل موضوعي ومتنور، فيلحقون دائماً مقارباتهم باستدراك يهدرون به ما اجتهدوا إليه.

- مواجهات غير قابلة للحسم :

  يمكن الإستنتاج أن الإسلاميين مازالوا يختلفون حول تبيئة الديموقراطية لأن آليات الديموقراطية لها متطلبات من وجهة نظرهم تتصادم مع بعض عناصر العقيدة، فالتعددية على سبيل المثال مصدر قلق وخوف بل عند بعضهم مصدر خطر على الدين الذي يقوم على التوحيد الشامل ووحدة الأمة. لذلك خضعت الديموقراطية والتعددية الحزبية كواقع ومعطى حديث للإجتهادات والخلافات الفقهية التي راوحت بين الرفض والقبول أو التوفيق مع الشريعة. وفي رأي بعض الباحثين فإن الحركات الإسلامية عاجزة لأسباب تكوينية وبنيوية عن انتاج هيكلية حزبية مرئية أو ملموسة وعاجزة عن القيام بوظائف سياسية (Political functions) ومنها المشاركة الديموقراطية في الحياة السياسية وذلك يعود إلى أنها أسيرة الفخ الإيديولوجي والطرح الجذري المتطرف، حيث أنها جميعها، على الرغم من بعض التباينات، تهدف إلى إنشاء دولة إسلامية عن طريق التغيير الثوري واستعمال العنف وإقامة “حكم الله”. وبالتالي فإن أي محاولة لتشجيع هؤلاء للإنخراط في النظام السياسي من خلال المشاركة في الإنتخابات ستؤدي حسب “برنارد لويس” إلى وضع مشابه لوضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى التي وصل فيها الحزب النازي إلى الحكم عن طريق الإنتخابات الحرة[xxix]. إلا أن باحثين آخرين يرون خلاف ذلك، إذ استطاعت عملياً بعض الحركات الإسلامية أن تتكيف مع النظام الديموقراطي وأن تتحول إلى قوة طبيعية معارضة في بلدان مختلفة مثال: مصر، تونس، الجزائر، تركيا، لبنان، الأردن، اليمن، المغرب، الكويت وباكستان. وهم يعتبرون هذا التكيف دليلاً على مرونة الإسلام كعقيدة، لذلك يجب تشجيعهم على الانخراط في الحياة السياسية من خلال العملية الانتخابية، وهو أمر يشبه المسار الذي دخلت فيه الأحزاب الشيوعية، الشمولية والمؤدلجة في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية[xxx].

  وبعيداً عن تصنيف الحركات الإسلامية ضمن فريقين، الأول يعتمد التغيير الجذري كخيار استراتيجي والثاني يعتمد المرحلية، فإنه من الثابت أنه كلما كانت الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية حادة ومترافقة مع شعور هذه الحركات بأنها مستهدفة بالقمع، لجأت إلى السرية وإلى الطرح الإيديولوجي الجذري، وإلى العنف. وعلى العكس، كلما كان القمع والاضطهاد أقل ضراوة تجاههم وكلما كانت الأزمات والظروف السياسية والإقتصادية أقل حدة، لجأت هذه الحركات إلى الإنخراط في الحياة السياسية العلنية، وأنشأت بالتالي هيكليات تنظيمية مرئية ومارست وظائف سياسية محددة، معتمدة ما يسمى في لغتها السياسية “فقه المرحلة” أو “الضرورة” والذي يرتب عليها انتهاج الواقعية والمرونة السياسية بدلاً من الطرح العقائدي والجذري بهدف الوصول إلى أسلمة المجتمع والدولة والتي هي أهداف قصوى صعبة المنال.

  وما يزيد من صعوبة الأزمة وحدّتها عند الحركات الإسلامية في حسم خياراتها الديموقراطية جملة عوامل يحددها “ديكمجيان” (Dekmejian) على الشكل التالي: فالعالم الإسلامي (ومن ضمنه لبنان) يعيش الأزمات الحادة منذ القرن التاسع عشر، ويزداد حدة مع بداية هذا القرن مع سقوط الخلافة العثمانية والتي تبعها هيمنة غربية أدّت لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وهو ولّد أولاً أزمة الهوية الفردية والجماعية بين المسلمين حيث تواجه شمولية الإسلام كنظام توحيدي، القوة الغربية وإسرائيل، ويقف المسلمون للدفاع عن الهوية المهددة والبحث عن بديل، وهذا ما يشكل عنصر التعبئة والحشد والإستنهاض عند الحركات الإسلامية، وينتج ثانياً عن أزمة الهوية، تأزم الروح الشخصية والإحساس بالإغتراب (Alienation) وينتج عن هذا أزمة شرعية النخب السياسية والمؤسسات المرتبطة بها، وثالثاً أزمة سوء الحكم والفساد الإداري والسياسي للنخب السياسية، ورابعاً سوء توزيع الثروات وبالتالي اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية، وخامساً الهزائم العسكرية المتكررة وبخاصة هزيمة حزيران/يونيو 1967 وحرب الخليج 1991، الأمر الذي ولد شعوراً بالنقص والإحباط وعدم الإستقرار، وحرم النظم الحاكمة أي شرعية. وأخيراً تكمن أهم عوامل الأزمة في تناقضات الثقافة السائدة وعملية التحديث وصعوبة التوفيق بينهما[xxxi]. مجموع هذه العناصر ساهمت في إعادة إنتاج الأزمة كلما لاحت في الأفق إمكانية حل أو خيار بإتجاه التكيف مع الحياة السياسية الديموقراطية.

  نخلص من هذا العرض إلى أن الحركات الإسلامية تنقسم في موقفها من الديموقراطية إلى فريقين: الأول يشارك بنسب مختلفة في الحياة الديموقراطية ويخوض الإنتخابات فيها والثاني يناهض الأنظمة القائمة ويحاربها سياسياً وفي بعض المناطق عسكرياً باعتبارها أنظمة كافرة تعتمد شرائع وضعية. وكلاهما ينظر إلى الديمقراطية باعتبارها نتاج الحضارة الغربية المادية المتناقضة في جوهرها الفكري والفلسفي مع الإسلام. ونقطة الخلاف أن الفريق الأول يدعو إلى الإستفادة من التجربة التطبيقية للديموقراطية باعتبارها أداة للحد من استبداد الأنظمة القائمة تمهيداً للوثوب إلى السلطة بطريق لا عنفي، بعدما أدى الخيار الآخر الذي اعتمده الفريق الثاني إلى الإضرار بالحركات الإسلامية وبالمجتمع ونتج عنه انفكاك قطاعات شعبية واسعة من حولها. وهذا ما أدّى إلى اتهامهم بالديماغوجية والمصلحية والتشكيك بصدق تبنيهم للحل الديموقراطي كمنهج للتعامل مع الأطراف السياسية والاجتماعية المتنافسة والمتصارعة داخل كل وطن من الأوطان التي يعملون بها. وهو تشكيك يستند إلى أن تبني هؤلاء للديموقراطية ليس أكثر من تكتيك للإنقضاض على السلطة تمهيداً لإلغاء الديموقراطية وتحويلها إلى استبداد إسلامي منافس لأنواع الإستبداد الأخرى السائدة في المنطقة العربية، بدليل تبني الفريقين لكثير من الاعتراضات حول مسألة الديموقراطية وتعارضها مع الشرعية الدينية والسياسية التي جذّرها الإسلام. ويرد هؤلاء على هذا الإعتراض بالتشكيك في مصداقية الديموقراطية التي سرعان ما تتحول إلى استبداد عندما يلوح في الأفق إمكانية امتلاك الإسلاميين للحكم.

  هذا الالتباس القديم يتجدد كلما طرحت إشكالية الإسلام والديموقراطية. وفي الحقيقة كلا الفريقين صادق فيما يقول بنسب متفاوتة، فنسب الديموقراطية الأوروبي يجلب المخاوف للإسلاميين لكن المشكلة أن هؤلاء لم يطرحوا بديلاً يبدد خوف الآخرين من نشوء استبداد بجلباب إسلامي. فالديموقراطية لم تنشأ في أوروبا بشكل فجائي بل أتت كحصيلة لتطور اجتماعي وتاريخي مر بمراحل عديدة سفكت فيها الدماء وانتهكت فيها حرمات، إلا أن هذا التطور الاجتماعي آل إلى تنظيم العلاقة بين الفئات المتصارعة في تلك المجتمعات والدول الأوروبية بطريقة سلمية. ولم يحدث ذلك دفعة واحدة بل تجسد في سياق تاريخي متدرج اتخذ في كل دولة شكلاً مختلفاً وأساليب متنوعة تتفق مع طبيعة المجتمعات وثقافتها وتراثها. فالديموقراطية الإنكليزية لم تتخذ شكلاً انقلابياً بل شهدت تطوراً بطيئاً للحد من النظام الملكي المطلق، إلى أن تمكن النبلاء والأشراف والأساقفة في عهد الملك جون من فرض ما يسمى الماغنا كارتا (Magna Carta) أو العهد الأعظم. ومعه أصبح مجلس اللوردات يمتلك سلطة تشريعية وليس استشارية فقط، بحيث لم يعد الملك يستطيع ان يلغي قانوناً صدر عن هذا المجلس. وكان هذا نقلة تاريخية في سياق التطور الديموقراطي التدريجي. وهو مسار يختلف عما حصل في الولايات المتحدة مثلاً، ويختلف كثيراً أو قليلاً أيضاً عما حصل في إيطاليا وفرنسا وألمانيا.

  إن هذا التحليل يفضي إلى أن مسألة الديموقراطية ليست وصفة جاهزة أو بضاعة معلبة صالحة للتصدير بقدر ما هي مسار ومحصلة لتطور اجتماعي واقتصادي وسياسي، وهو وإن تزامن مع نشوء الليبرالية والعلمانية إلا أن جذوره تمتد عمقاً أبعد من ذلك بكثير، حتى يمكن القول أن الهالة الفلسفية المحيطة بالديموقراطية والتي تربطها ربطاً محكماً بالفلسفة الغربية الحديثة ليست أكثر من طرح إيديولوجي غربي وقع في شباكه غالبية المفكرين والكتّاب العرب. فالخلفية الإيديولوجية الليبرالية والعلمانية للديموقراطية ليست أكثر من “حمولة زائدة” ناتجة عن خصوصية الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأوروبي، توهم بالترابط العضوي أو البنيوي، لكنها عملياً، أي الديموقراطية، ليست أكثر من مجموعة أدوات وآليات لا واعية لتنظيم خلافات الناس سلمياً وترتيب اختلاف وجهات نظرهم ومصالحهم وتأمين تداول السلطة في سياق لا عنفي. فهي ليست دولة ولا تمت بصلة مباشرة للعلمانية والليبرالية[xxxii]. والسجال الدائر بين الفريقين يطرح بعمق تساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الديموقراطية، وهو مصدر خوف كامن عند الفريقين، ومن هذه التساؤلات: هل يمكن ان تصل الديموقراطية إلى حد إلغاء نفسها ديموقراطياً؟ ثم ماذا لو صوتت الغالبية في مجتمع معين على إلغاء الديموقراطية واختيار نظام حكم آخر؟ وهذه التساؤلات تستدعي أسئلة افتراضية مثل ماذا لو ان 51% من مجتمع ما صوتوا لصالح قتل ال 49% المتبقين؟ ألا يعتبر هذا قراراً ديموقراطياً؟ هذه التساؤلات تفضي منطقياً إلى القول أن الديموقراطية في كل أشكالها مقيدة وغير مطلقة ويجب أن يضبطها “دستور” فوقي يراعي منظومة القيم الأساسية للمجتمع ويحفظ مصالح الشرائح الكبرى فيه ويمنع بالتالي استبداد الأغلبية. هذا “الدستور” لا يمكن أن يكون سوى المرجعية الشرعية للمجتمع والدولة ونظام الحكم، وهي مرجعية يمكن أن تجد أصولها العامة في الاسلام كما يمكن أن تجدها في الليبرالية، لكونها منطلقات عامة وعريضة تتسع لقيم إنسانية وحاجات مجتمعية تنظم خلافات الناس وسعيهم للسلطة، الأمر الذي يجعل الحل الديموقراطي لا غنى عنه في كل المجتمعات وخاصة في البلدان التي تشهد تعدداً إثنياً وعرقياً وطائفياً، بحيث لا تؤدي الديموقراطية إلى استبداد إحدى الأقليات الكبرى بالمجموعات الأخرى. وبدون هذه المرجعية تتفلت الديمقراطية مهما كانت خلفيتها الإيديولوجية من القيود التي تضمن حيادها كأدوات وتطبيقات جالبة أو محققة للحرية والعدل والمساواة بين الناس، بل يسهل تحويلها إلى مطية أو أداة آنية مؤدلجة تمهد لنمط استبدادي جديد مقنع بايديولوجيا محددة، بغض النظر عن حسبها ونسبها. وفق هذه الرؤية يصبح الحديث عن نسب الديموقراطية أو مصدرها بوصفها حاملة لبذور انقلاب في المعتقدات والقيم الدينية والحضارية مجرد لغو أو ترف فكري الهدف منه الحفاظ على الخصوصية الإيديولوجية لهذا المشروع السياسي أو ذاك، ومعه تصبح هواجس ومخاوف الإسلاميين والعلمانيين معاً من الحل الديموقراطي في العالم العربي كامنة في الإيديولوجيا، تتغذى منها وتعتاش عليها تبريراً او حفاظاً على الخصوصية الفكرية لكل منهما.


[i] – حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996،     ص 139.

[ii] – رضوان السيد، مسألة الشورى بين النص والتجربة التاريخية، مجلة المنطلق، بيروت، العدد 98، 1993، ص 52.

[iii] – رضوان السيد، المرجع السابق، ص 53.

[iv] – شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 9/328.

[v] – فهمي جدعان، نحن والديموقراطية، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 29، العدد 3، 2001، ص 152.

[vi] – رفاعه الطهطاوي، الأعمال الكاملة، تحقيق الدكتور محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1973، ص 74-80.

[vii] –  فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، عمان، دار الشروق، ط 3، 1988، ص 132.

[viii] – فهمي جدعان، نحن والديموقراطية، المرجع السابق، ص 154. وأحمد بن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، تونس، 1963، ص 71.

[ix] – عبد الرحمن الكواكبي، الأعمال الكاملة، تحقيق د. محمد عمارة، الهيئة المصرية العامة، 1970، ص 348.

[x] – رشيد رضا، الخلافة أو الإمامة العظمى، ، ص 46-49

[xi] – رضوان السيد: المرجع السابق، ص 58.

[xii] – حوار مع الإمام محمد مهدي شمس الدين، مجلة منبر الحوار، العدد 34، 1994، ص 20-22.

[xiii] – مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر، بيروت، لا ت، ص 172.

[xiv] – المرجع السابق، ص 216.

[xv] – المرجع السابق، ص 222

[xvi] – أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، دمشق، دار الفكر، 1969، ص 35.

[xvii] – أبو الأعلى المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، دار التراث العربي، القاهرة، ط2، 1986، ص35.

[xviii] – معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، 1983، ص67-68

[xix] – عبد الغني عماد، حاكمية الله وسلطان الفقيه، قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1997، ص 35-40.

[xx] – سيد قطب، المرجع السابق، ص 97.

[xxi] – محمد قطب، العلمانيون والإسلام، دار الشروق، بيروت-القاهرة، 1994، ص 64.

[xxii] – يوسف القرضاوي، الحل الإسلامي… فريضة وضرورة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط14، 1993، ص 95.

 [xxiii]- المرجع السابق، ص 104.

[xxiv] – المرجع السابق، ص 108.

[xxv] – راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1993،       ص 77.

[xxvi] – المرجع السابق، ص 86 و 87.

[xxvii] – المرجع السابق، ص 88.

[xxviii] – عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، الدار البيضاء، ط1، 1994، ص57-59.

[xxix] – Bernard Lewis, “Islam and liberlal democracy”, The Atlalntic, -February 1993, p.p35-42.

[xxx] – - John Voll and John Esposito, Islam democratic essence, [xxx] – حيدر ابراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996، ص 139.

[xxx] – رضوان السيد، مسألة الشورى بين النص والتجربة التاريخية، مجلة المنطلق، بيروت، العدد 98، 1993، ص 52.

[xxx] – رضوان السيد، المرجع السابق، ص 53.

[xxx] – شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 9/328

[xxx] – فهمي جدعان، نحن والديموقراطية، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 29، العدد 3، 2001، ص 152.

[xxx] – رفاعه الطهطاوي، الأعمال الكاملة، تحقيق الدكتور محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1973، ص 74-80.

[xxx] –  فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، عمان، دار الشروق، ط 3، 1988، ص 132.

[xxx] – فهمي جدعان، نحن والديموقراطية، المرجع السابق، ص 154. وأحمد بن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، تونس، 1963، ص 71.

[xxx] – عبد الرحمن الكواكبي، الأعمال الكاملة، تحقيق د. محمد عمارة، الهيئة المصرية العامة، 1970، ص 348.

[xxx] – رشيد رضا، الخلافة أو الإمامة العظمى، ص 46-49.

[xxx] – رضوان السيد: المرجع السابق، ص 58.

[xxx] – حوار مع الإمام محمد مهدي شمس الدين، مجلة منبر الحوار، العدد 34، 1994، ص 20-22.

[xxx] – مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر، بيروت، لا ت، ص 172.

[xxx] – المرجع السابق، ص 216.

[xxx] – المرجع السابق، ص 222

[xxx] – أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، دمشق، دار الفكر، 1969، ص 35.

[xxx] – أبو الأعلى المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، دار التراث العربي، القاهرة، ط2، 1986، ص35.

[xxx] – معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، 1983، ص67-68

[xxx] – عبد الغني عماد، حاكمية الله وسلطان الفقيه، قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1997، ص 35-40.

[xxx] – سيد قطب، المرجع السابق، ص 97.

[xxx] – محمد قطب، العلمانيون والإسلام، دار الشروق، بيروت- القاهرة، 1994، ص 64.

[xxx] – يوسف القرضاوي، الحل الإسلامي… فريضة وضرورة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط14، 1993، ص 95.

 [xxx]- المرجع السابق، ص 104.

[xxx] – المرجع السابق، ص 108.

[xxx] – راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1993،       ص 77.

[xxx] – المرجع السابق، ص 86 و 87.

[xxx] – المرجع السابق، ص 88.

[xxx] – عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، الدار البيضاء، ط1، 1994، ص57-59.

[xxx] – Bernard Lewis, “Islam and liberlal democracy”, The Atlalntic, -February 1993, p.p35-42.

[xxx] – - John Voll and John Esposito, Islam democratic essence, Middle east quarterly, September 1994, p.p 3-11

[xxx] -Richard Dekmejian, Islam in revolution, Syracuse university press, 1995, p.p 23-30.

[xxx] – علي الكواري وآخرون، الحركات الإسلامية والديموقراطية، المواقف والمخاوف المتبادلة، دار قرطاس، الكويت، 2000. أنظر دراسة وليد نويهض بعنوان: “الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديموقراطية”، ص32. أنظر أيضاً: مخاض الديموقراطية في بئر المجتمعات المحلية، عمل مشترك، ورقة نزار حمزة، إصدار المركز اللبناني للدراسات، بيروت، ط1999، ص381. Middle east quarterly, September 1994, p.p 3-11

[xxxi] -Richard Dekmejian, Islam in revolution, Syracuse university press, 1995, p.p23-30.

[xxxii] – علي الكواري وآخرون، الحركات الإسلامية والديموقراطية، المواقف والمخاوف المتبادلة، دار قرطاس، الكويت، 2000. أنظر دراسة وليد نويهض بعنوان: “الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديموقراطية”، ص32. أنظر أيضاً: مخاض الديموقراطية في بئر المجتمعات المحلية، عمل مشترك، ورقة نزار حمزة، إصدار المركز اللبناني للدراسات، بيروت، ط1999، ص381.

الحركات الإسلامية والإصلاح السياسي: دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية

الحركات الإسلامية والإصلاح السياسي

دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية

                                                                       د. عبد الغني عماد

استاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية

                                                    وباحث في الدراسات الاسلامية

  ظل حقل المقارنة بين الخبرتين الإيرانية والتركية مثيراً على مدار عقود من الزمن خاصة وأن تجربة التحديث في البلدين عرفت تقاطعات ونقاط تشابه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين مع مساحات فراق وإختلاف بقيت تميز بينهما، لهذه الأسباب تصلح الخبرتين للمقارنة من زاوية جوانب التشابه، فضلاً عن زاوية جوانب الإختلاف والتباين. وحقل المقارنة لا يعني بالضرورة كما يتصور البعض المقارنة بين نماذج متشابهة، بقدر ما ان الاقتراب من نماذج عرفت تباينات في خبرتها السياسية والاقتصادية يظل ثرياً وعلى قدر كبير من الاهمية خاصة إذا كان فضاءً ثقافياً مشتركاً كمافي الحالتين الإيرانية والتركية.

  وقد أخذ التباين بين التجربتين صوراً كثيرة، فمن جهة عرفت التجربة التركية تحولات هامة في خبرة نظامها الجمهوري واعادة تعريف لبعض أسسه دون قطيعة، وحتى في مراحل الإنقلابات التركية، فقد ظلت تدور ضمن فلك النظام الجمهوري العلماني، بل إدعت انها قامت من اجل الحفاظ عليه، على عكس التجربة الإيرانية في ظل حكم الأسرة البهلوية (1921-1979) التي هيمنت بشكل مطلق على الحياة السياسية بكل أبعادها والتي سبقها مخاض كبير حول الدستور عرف بثورة “المشروطة” في عهد الحكم القاجاري (1905) واليوم يبدو الفارق كبيراً بين الخبرتين، بين نظام ولاية الفقيه والتجربة التركية الإسلامية المعلمنة. والحقيقة أن تحولات التجربة التركية جاءت في سياق من الاستمرارية، وليس على أرضية القطيعة، مما ساعد طرفي المعادلة السياسية القائمة في المجتمع التركي، أي المؤسسة العسكرية ومعها التيارات العلمانية الاتاتوكية من جانب، والتنظيمات الإسلامية من جانب آخر، على التطور والتفاعل والمراجعة عبر رحلة تراكمية هامة، أدت في النهاية إلى أن يصل الإسلاميون الذين حاربهم مصطفى أتاتورك وحزبه إلى الحكم، بحيث أصبح هناك في نهاية الألفية الثانية تيار إسلامي ديموقراطي فاعل بقيادة نجم الدين أربكان، ومع بداية الألفية الثالثة إستأنف رحلة التغيير تيار آخر ذو أصول إسلامية يقوده الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.

  ومن المؤكد في هذا المجال إن تقدم النظام في تركيا نحو الديموقراطية قد دفع التيار الإسلامي فيها إلى أن يتقدم نحو نفس المسار، ليس فقط في إتجاه إحترام الآليات الديموقراطية، وإنما أيضاً في اتجاه احترام الديموقراطية وتبني المعايير الاوروبية في بناء المجتمع التركي سياسياً وإقتصادياً، على عكس التجربة الايرانية في هذا المجال، فالافكار التحررية الداعية إلى تأسيس الدستور، والتي أدت إلى قيام ثورة المشروطة (1905) قادها رجال الدين الذين ما لبثوا ان انقسموا بعد المصادقة عليه، الأمر الذي سهل مهمة الشاه محمد علي نجل الشاه مظفر مهمة الانتقام من أنصار الدستور، وحين انتهى الحكم القاجاري عام 1921 وبدأ حكم الأسرة البهلوية من خلال انقلاب رضا خان وبعده إبنه محمد رضا بهلوي الذي حكم إيران حتى نجاح الثورة الاسلامية في العام 1979، حدثت تطورات كثيرة على المستوى الداخلي، كان من الواضح فيه ان عامل الدين هو العامل البارز في رسم التوجهات الشعبية وتحديد آفاق المزاج الشعبي وتحريك قطاعاته، كما حدث في ثورة الدستور، لدخول المعترك السياسي. والملاحظ ان لحظة اصطدام الاسرة القاجارية مع المؤسسة الدينية كانت بداية التغيير، ألاّ ان هذا التغيير تم اجهاضه نتيجة إنقسام قادة الثورة من رجال الدين حينها، وكان حصاد هذا التغيير لصالح الاسرة البهلوية، التي لم تنجح بدورها في ترميم العلاقة مع المؤسسة الدينية في إيران، هذه المؤسسة القوية وذات الجذور في الوجدان الشعبي العام، فقد كانت الاحكام والقوانين التي سنها بهلوي والتي لاقت رفضاً قاطعاً من قبل تلك المؤسسة (السماح بخلع الحجاب، إنشاء المحاكم المدنية، الحد من صلاحيات علماء الدين..)، فضلاً عن النظام الحديدي الديكتاتوري المغلق امام قوى المجتمع الصاعدة، والذي فشل في إيجاد صيغ استيعابية لهذه القوى الناهضة، أدت الى قطيعة كاملة بين النظام الشاهنشاهي ومختلف قوى الحركة الإسلامية والمؤسسة الدينية فضلاً عن القوى السياسية الأخرى. قطيعة كاملة لم تكن تقبل وقائعها اي تجسير للفجوة بين أطرافها، ذلك أن طبيعة المؤسسة الحاكمة، وصلت إلى حالة من التفرد بعد انهاء ثورة الدكتور محمد مصدق عام 1953 قل نظيرها، ذلك انها لم تتقبل اي إصلاح حتى من داخل النظام. كان في هذه الحالة طريق الثورة هو السياق الذي يقود النظام خصومه اليه.

  من المؤكد في هذا المجال أن نجاح الثورة الإيرانية الذي جاء حاسماً، قد أدى إلى قيام أول جمهورية في تاريخ إيران بعد أن سادت الملكية طوال قرون مديدة، بل أدى إلى قيام أول جمهورية إسلامية شيعية أقامت حكماً إسلامياً صافياً وفق دستورتمت صياغته على يد كبار المراجع الدينية والخبراء القانونيين في إطار نظرية ولاية الفقيه، وكالعادة أدى نجاح الثورة إلى خروج شرائح وكوادر عديدة ساهمت في نجاحها من دائرة “الثورة” إلى دائرة خصومها تدريجياً، فلوحق أنصار مهدي بازكان، وتم تحجيم أنصار آية الله شريعتمداري، وأنصار علي شريعتي، وقضي على كافة فصائل اليسار الإيراني وتم إزاحتهم جانباً، ليتم توطيد الحكم على أساس جديد وفق منظومة ولاية الفقيه في ظل قطيعة شبه تامة مع الغرب وعلاقات ملتبسة مع الجيران العرب، هذه الإزاحات التحجميات تمت في ظل صياغة دستورية حاولت استيعاب حركية المجتمع الايراني النشط وقواه الاجتماعية والسياسية ولكن ضمن فضاء النظام وفلسفته الجديدة وليس خارج منطوقه او مؤسساته، ساعدت شخصية الإمام الخميني على توطيد أسس وركائز النظام السياسي، ولم يكن الامر سهلاً على خليفته إذ بدأ الأمر يتفلت وبدأت ركائز هذا النظام تهتز، وشهدت شوارع طهران إثر الانتخابات الأخيرة ما يثبت ان التجربة فيها تحتاج إلى مراجعة وان الاصلاح السياسي المنشود لم يعكس تطلعات الشعب الايراني، على الاقل في قطاعات واسعة منه.

  في المقابل نجحت التجربة التركية متمثلة في خبرة حزب العدالة والتنمية في إنجاز تحولات هامة، رغم ما أثير حول دور الجيش في فرض نظام علماني دفع الإسلاميين إلى إحترامها، الا أنه من المؤكد ان القسم الاكبر من التيار الاسلامي في تركيا قد تفاعل بإنفتاح شديد مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به، مما ساعده على التحول من الخطاب الاسلامي التقليدي، إلى خطاب إسلامي ديموقراطي، بل هو تجاوز الخطاب العلماني الأتاتوركي المدعوم من المؤسسة العسكرية، الذي اعتبر نفسه لفترات طويلة “حارساً” لقيم الغرب في المجتمع التركي المسلم، وأصبح هؤلاء الاسلاميين الديموقراطيين أكثر إخلاصاً في الانسجام مع المعايير الأوروبية في الديموقراطية وحقوق الإنسان واقتصاديات السوق، حتى يمكن لتركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية ان تندمج في تجربة الاتحاد الاوروبي. وأهمية ما حدث في السياق التركي تكمن دلالته في أن الخطاب الاسلامي ليس عصياً على التحول والتفاعل مع الواقع السياسي المحيط، وهو لم يكن مغلقاً على اي تطوير لاسباب معرفية تتعلق ببنيته العقائدية بما يجعله نسقاً جامداً منعزلاً عن البيئة والواقع الذي يعيش فيه. بل ان احد ابرز دلالات التجربة التركية، أنها أظهرت بداية أن الخطاب الإسلامي قادر على التكيف والتطور والتلاؤم مع مقتضيات الديموقراطية، بل ويمكنه ان يكون قوة دافعة نحوها ومساهماً في مسيرة العصر والانسانية، بصرف النظر عن طبيعة العوامل التي تقف وراء هذه التحولات، ومدى تقييم اي باحث لوزن كل عامل منها.

  التجربة التركية: رهانات الاصلاح التدريجي من داخل النظام

  يمكن القول إجمالاً ان تجربة الحركة الاسلامية السلمية في تركيا في الوصول الى السلطة كانت تجربة سياسية رغم الخلفية الدينية لقادة حزب الرفاه ثم حزب العدالة والتنمية، ذلك ان الترجمة الحركية لهذه الافكار كانت في الاساس ترجمة سياسية حديثة.

  عرف الاسلاميون في تركيا مرحلتين رئيسيتين: الاولى هي مرحلة ما قبل حزب الرفاه والتي بدأت بالتحالف مع الحزب الديموقراطي عام 1950 حيث نجحوا أيضاً في هزيمة الحزب الجمهوري الحاكم، ثم مرحلة تأسيس حزب سياسي آخر هو حزب السلامة الوطني في تركيا والذي يشابه في طروحاته وخطابه الخطاب السياسي للاخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي.

  والثانية هي مرحلة حزب الرفاه وتوابعه المختلفة والتي إنقسمت الى تيارين: الاول يمثل امتداداً لحزب الرفاه وعرف اولاً باسم حزب الفضيلة، الذي تم تجميده وحلّه وعاد مرة اخرى تحت اسم حزب السعادة، اما التيار الثاني وهو يمثل الانشقاق الاكبر عن حزب الرفاه ويمثله رجب طيب اردوغان، الذي نجح في الوصول إلى رئاسة الوزراء، بعد ان أسس حزب العدالة والتنمية وأصبح يمتلك الأغلبية المطلقة في البرلمان وفي البلديات ويضم التيار الأكبر من حزب الفضيلة.

  في الفترة الممتدة من عام 1923 الى العام 1946 حيث أقر مبدأ التعددية الحزبية، وفي اول انتخابات تالية على اقرار هذا القانون وهي انتخابات 1950 هزم الحزب الجمهوري وتقلد الحزب الديموقراطي الحكم المعارض للحزب الحاكم مدعوماً من الجماعات الاسلامية. وقد أدت التعديلات الدستورية عام 1960 بعدها الى احداث انفراج في الحريات المدنية، الأمر الذي منح الجماعات الاسلامية التركية آنذاك الشرعية القانونية اللازمة للعمل على الساحة السياسية. الا ان هذه الجماعات تأخرت في تأسيس اطارها السياسي الموّحد حتى قام نجم الدين اربكان بتأسيس حزب النظام الوطني عام 1970، وهو يعد أول حزب اسلامي في تاريخ تركيا الحديث، على ان الانقلاب العسكري لعام 1971 سرعان ما اطاح بهذا الحزب على اساس مخالفته للقاعدة الدستورية بفصل الدين عن السياسة حيث فرّ اربكان الى سويسرا ليعود في عام 1972 ويقوم بتأسيس حزب السلامة الوطني، وقد نجح هذا الحزب في الحصول على 11,8 بالمئة من الاصوات في انتخابات 1973 معتمداً على تأييد قطاع يتكون من رجال الاعمال في المناطق الريفية وجماعتين دينيتين بلا تمثيل رسمي هما جماعة النقشبندية والنورسية، شارك الحزب بعدها في عدد من الائتلافات الحكومية مع الحزب الشعبي الجمهوري ثم في حكومة الجبهة الوطنية مع حزب العدالة وحزب الحركة الوطنية عام 1975. وقد تبنى الحزب مواقف أكثر راديكالية عن سابقه حزب النظام الوطني فيما يتعلق بشنه حملات علنية على الطابع العلماني للنظام التركي وعلى أتاتورك في حد ذاته، وقد اشترك الحزب في ثلاثة إئتلافات حكومية حتى تم إغلاق جميع الاحزاب السياسية أبان الانقلاب العسكري عام 1980.

  تميز حزب الرفاه عن سابقه حزب السلامة الوطني بعدد من الخصائص عكست قدرته على تطوير مؤسساته وخبراته التنظيمية والتعبوية في إدارة العمل السياسي، سواء كحزب معارض او كطرف في ائتلاف حاكم، فلم يقتصر بإستقطابه على التجار القرويين واعضاء الطرق الدينية وانما امتد ليشمل شرائح جديدة من الفئات المهمشة من التجار الصغار والموظفين والطلبة التي نقلتها سياسات الانفتاح لتورغوت اوزول من الريف إلى المدينة. مثلت الكثير من المواقف السياسية لحزب الرفاه امتداداً لكثير من المبادىء التي قام عليها حزب السلامة الوطني من حيث انتصار الدولة العلمانية وما تتبناه من سياسات نابعة من عقلية المحاكاة للغرب ذي الثقافة المتعارضة مع القيم التركية وموقفه برفض انضمام تركيا إلى المجموعة الاوروبية لتهديد ذلك لمصالح تركيا الحقيقية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والدعوة إلى إنضمام تركيا كدولة قائد إلى مجموعة اسلامية جديدة تضم بلدان العالم الاسلامي كافة في اطار منتظمة للتعاون الدفاعي وأخرى للتعاون الثقافي، وسوق اسلامية واحدة وعملة واحدة يتم تداولها في العالم الإسلامي[1].

  الا أن النجاحات المتتالية التي حققها الحزب بحصوله على نسبة متقدمة في الانتخابات البرلمانية وفي البلدية، ودخوله في إئتلافات حاكمة مع احزاب سياسية متنوعة في تركيا، وإدراك قيادات الحزب بشكل أكثر من ذي قبل بالواقع السياسي التركي ومتطلباته، هذا بالاضافة إلى اتساع وتنوع قاعدته الانتخابية، واحتوائه على كوادر قيادية تتوزع ما بين اتجاهات ليبرالية ومحافظة وراديكالية، كل هذه العناصر أدت إلى إضفاء طابع أكثر براغماتية ومرونة على مواقفه السياسية. كذلك ساهم هذا الامر في عدم تحول حزب الرفاه إلى حزب ديني صرف، وانما حرص على تأكيد التزامه بالمنظور القومي ونفي الصبغة الدينية البحتة التي حاولت الاوساط العلمانية ان تضفيها عليه. مع ذلك يمكن التأكيد ان تجربة حزب الرفاه قد تميزت عن تجارب معظم حركات الاسلام السياسي في العالمين العربي والاسلامي بتبنيها الكامل لقواعد الديموقراطية وقيم التنظيم الحزبي الذي يمارس العمل السياسي من اجل الوصول الى السلطة، لا دعوة الناس للالتزام بتعاليم الاسلام بمعزل عن السياسة، رغم حرصه كحزب على التمسك بثوابت عامة لما يمكن تسميته بخطاب حركات الاسلام السياسي المناقض لايديولوجيا الغرب الثقافية والسياسية وعلى التمسك بالنموذج البديل الاسلامي الحضاري.

  والواقع ان تجربة وصول حزب الرفاه الى الحكم متحالفاً مع حزب الطريق الصحيح مثل نقطة حاسمة في تاريخ النظام العلماني التركي، الا انه من المؤكد ان التغيرات التي احدثها الحزب في بنية هذا النظام لم تكن جذرية، الحقيقة ان الرفاه لم يختلف في توجهاته تجاه عدد من القضايا الجوهرية عن سابقيه من الاحزاب العلمانية الاخرى، كتسريح “المتطرفين الاسلاميين” من الجيش، والتعاون العسكري مع اسرائيل والقضية الكردية، فقد طبق الحزب قرارات مجلس الامن القومي بحذافيرها، كما انه لم يقم باتخاذ اي اجراء قد يمسّ مبادىء العلمانية اللهم الا محاولة الغاء قانون منع الحجاب للعاملات بالهيئات الحكومية، وحتى هذه القضية سرعان ما تراجع عنها. لقد كانت موجات العنف والفوضى الداخلية قبل انقلاب عام 1980، على الرغم من عدم تورط حزبي النظام الوطني والسلامة الوطني فيها بشكل مباشر، الا ان الغاء كل منهما على التوالي (الاول عام 1973) (والثاني عام 1980) يفسر اتصاف سياسة حزب الرفاه وقيادته بالحذر في اعلان مواقف اسلامية متشددة آزاء بعض القضايا لعدم استفزاز المؤسسة العسكرية، فلم يقم الحزب بانتقاد الدولة العلمانية القائمة او الفترة السابقة للتحول نحو التعددية الحزبية ولا سيما فترة أتاتورك[2]، كما ان العامل الخارجي بقي حاضراً بالقوة لجهة علاقات تركيا بحلف الاطلسي، والرغبة التركية بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي، مما أثر على خطاب التيار الاسلامي وأدى الى اندماجه في منظومة القيم الديموقراطية الغربية تدريجياً.

  أدى صدور قرار من قبل المحكمة الدستورية بحظر حزب الرفاه عام 1998 الى قيام حزب الفضيلة الذي تأسس بتيارين رئيسيين تمثل الاول بجيل من الشباب الاصلاحيين بقيادة أردوغان والثاني الذي يتسم بقدر أكبر من المحافظة ويدين بالولاء المطلق لنجم الدين اربكان. وقد أتت استقالة اربع قيادات حزبية اصلاحية، منها عبد الله غول عام 1999 كأحد المؤشرات على ازدياد حدة الاحتدام بين التيارين، وقد جاء هذا التحرك بعد قيام المحكمة العليا بفتح ملف الانتخابات البرلمانية عام 1999 بعرض حظر حزب الفضيلة على أساس قيامه بنشاطات معادية للعلمانية خلال الانتخابات وبوصفه وريثاً لحزب الرفاه المحظور كذلك كانت الخلافات في المقاربة السياسية بين القيادات المحافظة والقيادات الاصلاحية الشابة تتعمق الامر الذي أدى الى فقدان امكانية التعايش فيما بينهم، فأسس كل منهما حزبه وهكذا برز حزب العدالة والتنمية كتعبير عن الاتجاه الاصلاحي والقيادات الشابة عام 2001 عقب حظر حزب الفضيلة، في حين أسس الجيل القديم ما عرف باسم حزب السعادة الذي لم ينجح سوى في الحصول على حوالي 2,5 بالمئة من الاصوات التي تمثل الموالين للاتجاه الاسلامي الشبيه في توجهاته لخط أربكان إبان تزعمه لحزب الرفاه.

  اما حزب العدالة والتنمية فقد شهد صعوداً سريعاً أدى الى فوزه بـ 67 بالمئة من اصوات الناخبين في انتخابات عام 2002. لقد جاء حزب العدالة الى السلطة محمولاً على أكتاف ذات القوى الاجتماعية التي كان أردوغان قد نجح في تعبئتها ابان توليه لمنصب رئيس بلدية استامبول، وكذلك بوصفه احد القيادات الشابة البارزة سابقاً في حزبي الرفاه والفضيلة، وقد تمثلت هذه القوى بحوالي 21 بالمئة من أصل 34 بالمئة من الاصوات التي حصل عليها الحزب في قطاعات الشبان من الطبقات العاملة والمتوسطة التي تهدف الى تحقيق أكبر قدر من الحراك الاجتماعي من خلال تغيرات هيكلية في النظام وكذلك طبقة رجال الاعمال والصناعة ذات التوجه الاسلامي.

  والواقع انه سيكون من الخطأ اعادة نجاح حزب العدالة الى شخصية اردوغان القيادية وغيرها من العوامل الظرفية فحسب، فما جرى له علاقة بمجمل التحولات البنيوية والايديولوجية المتراكمة في الواقع التركي. لقد أدت المؤسسة العلمانية الحاكمة من خلال ايديولوجيتها وهيكليتها البنيوية الى حصول بعض التمييز السياسي والثقافي والاقتصادي، لذلك صوت الناخبين لصالح حزب العدالة لسببين: اولهما حل مشكلات الحقوق والحريات المتراكمة وثانيهما تحقيق التنمية الاقتصادية مع توزيع عادل للثروة. ومنذ ذلك الحين يعتمل في قلب السياسة التركية صراع بين محاولات الاصلاح التي يقودها حزب العدالة من ضمن النظام والحدود المرسومة له، وبين القوى البيروقراطية العسكرية والمدنية ضد اهداف هذا الحزب. والقاء نظرة فاحصة تبين ان المشهد التركي لا يزال يفيد ان الدولة وميولها العلمانية لا تزال تملك رسم الخطوط الحمراء، وان حزب العدالة اثبت حرصاً شديداً على عدم عبور هذه الخطوط، فهذا هو محصلة الدرس الذي تعلمته قيادة الحزب مستفيدة من تجارب الاحزاب الاسلامية السابقة التي تم حلها واحدة تلو الاخرى وملخصه: لا تستفز المؤسسة العسكرية وتجنب مصادمة المؤسسة العلمانية ما امكن.

  وقد كان ترشيح عبد الله غول الرجل الثاني في حزب العدالة لانتخابات مايو أيار 2007 الرئاسية ذروة التوتر بين المؤسسة العلمانية وحزب العدالة والتنمية التي وصلت الى حد نزول العلمانيين الى الشوارع حيث تجمع مئات الالآف منهم ليعبروا عن تخوفهم من صورة تركيا الحديثة يرأسها شخص بعادات اسلامية وزوجة ترتدي الحجاب يمكنها ان تكون السيدة الاولى في القصر الرئاسي مما يهدد هوية الدولة. نقضت المحكمة الدستورية رئاسة عبد الله الغول، وأجريت انتخابات جديدة في 22 تموز/ يوليو 2007 ارتفع في محصلتها الثانية حزب العدالة والتنمية من 34,2 الى46,5 في المئة في البرلمان الجديد وتم انتخاب عبد الله غول رئيساً جديداً لتركيا مع دعم حزب الحركة القومية.

  ومنذ ذلك الحين ثمة قضيتان فيما يتعلق بالعلمانية والمحكمة الدستورية المعنية بكل من هذه الحالات، اولهما الهيمنة على البرلمان للتصويت على اجراء التعديل الدستوري بخصوص حرية الحجاب في الجامعات، وثانيهما قرار المحكمة بشأن قضية اغلاق حزب العدالة والتنمية.

  بشأن القضية الأولى فإن التعديل الدستوري الذي أقر بأغلبية كبيرة في البرلمان بعد تأييد حزب العمل القومي الذي يمتلك 71 مقعداً، فإن هذا التعديل تم احالته الى المحكمة الدستورية من قبل حزب الشعب الجمهوري وتم نقضه. وكانت هذه موضوعاً في مارس/آذار 2008 للائحة الاتهام لرئيس الادعاء العام والتي طلب فيها من المحكمة الدستورية اغلاق حزب العدالة والتنمية كونه “مركز تنسيق للجهود الرامية الى تغيير الطابع العلماني للجمهورية”. وبعد خمسة أشهر اصدرت المحكمة قرارها الذي رفضت فيه اغلاق الحزب لكنها في الوقت نفسه وجهت اليه تحذيراً جدياً، وبذلك نجا حزب العدالة من المصير الذي واجههه العديد من الاحزاب السياسية بما فيها حزب الرفاه.

 لا شك أن حزب العدالة منذ تأسيسه وصعوده إلى السلطة نجا من الملاحقات القضائية التي يرفعها ضده العلمانيون، لكن يبدو انه فقد شيئاً من طاقته الاصلاحية، وقد ظهر ذلك جلياً في الانتخابات البلدية الأخيرة في 29 مارس/ آذار 2009 التي ركز فيها الحزب على تحذير الناخبين من كون البدائل الأخرى عن حزب العدالة ستجلب مستقبلاً سيئاً. لا يعد هذا فشلاً لحزب العدالة بقدر ما يعتبر نجاحاً للمؤسسة العلمانية التي استطاعت الحد من طموحات برنامج النخب الاسلامية في تركيا ومن سقف خطابها السياسي.

  يتميز خطاب حزب العدالة والتنمية بخصائص مختلفة عن الاحزاب الاسلامية السابقة، فهو بقدر ما يعتبر وريث شرعي للحالة السياسية الاسلامية، هو أيضاً يمثل قطيعة معهم من حيث المقاربة الأكثر واقعية وبراغماتية والهادفة إلى تحقيق وجود يتسم بالاستمرارية والثبات على الساحة السياسية، بغض النظر عما قد يعنيه ذلك من تخل عن مواقف كانت تعد غير قابلة للمساومة. لقد تمكن أردوغان إبان رئاسته لبلدية استامبول من تبيئة الخطاب الاسلامي وادماجه في السياق الاوسع للثقافة المحلية التركية، وقد ساعدت هذه الخبرة أردوغان في إعادة صياغة برنامج الحزب لاضفاء طابع محلي عليها بغرض حشد أكبر قدر من التأييد إلى جانب تلافي الحساسية المحتملة مع التيار العلماني والمؤسسة العسكرية. لذلك سعى دائماً الى إلباس المواقف الاسلامية حلّة قومية تركية من حيث الثقافة ومن حيث المصلحة السياسية على حد سواء، وهو ما يمكننا من تفسير سياسة الحزب المؤيدة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي والحريصة على الحفاظ على علاقات طيبة مع الولايات المتحدة دون التخلي عن علاقات تركيا التاريخية بالعالم العربي، بل والعمل على تطويرها ودعمها.

  وهذا ما جعلها تقارب موضوع العلمانية مقاربة جديدة، فتميز بين العلمانية التركية الكمالية Laicism والعلمانية الاوروبيةSecularism ، حيث الاولى تجعل الدين خاضعاً للدولة تتدخل فيه كيفما تشاء، فتبيح وتحظر المؤسسات القائمة عليه وتحدد مقرراته الدراسية، بينما الثانية تقيم فصلاً بين المجالين باعتبار ان المجال الأول يمثل مجالاً عاماً، والآخر يمثل مجالاً خاصاً يتعلق بعلاقة كل فرد أو جماعة بما يؤمن به، وهو مجال مستقل تماماً عن المجال العام ويتعين على الدولة ألا تتدخل فيه، وقد أعلن أردوغان ان الحزب “يفضل النظام العلماني الذي يمنح لكل فرد الحق في ممارسة نمط الحياة الذي يريده، سواء كان اسلامياً ام غير ذلك، عن الكمالية التي هي ديانة بحد ذاتها، ولا تقر العديد من الحريات الشخصية للافراد تحت لوائها، كحق المرأة في ارتداء الحجاب على سبيل المثال، وحول مسألة تبني الشريعة كنظام قانوني مأمول في تركيا اشار الى انه “غير مهتم باحداث اي تغيرات جذرية في القوانين التركية، وانما يسعى فقط الى التأكد من ان هذه القوانين يتم تطبيقها على النحو اللازم”. وانه يمكن النظر لنظام الشريعة بوصفه نمط حياة يتبعه كل فرد في حياته الخاصة او بكونه تعبيراً عن نظام اجتماعي عادل يعيش فيه الجميع في حالة من راحة البال والسكينة. وهو التعريف الذي يعكس اسم الحزب “العدالة والتنمية”.

  لذلك يصنف الحزب نفسه في برنامجه الانتخابي بانه حزب “ديمقراطي محافظ”، يطرح قضايا المحاسبة وحكم القانون والاصلاح الاقتصادي والانفتاح على السوق العالمي ويتبنى سياسات الخصخصة وتشجيع الاستثمار الاجنبي، وكل ما من شأنه تعزيز وضع الاقتصاد التركي كاقتصاد مندمج في النظام العالمي الجديد، بل ان اغلب المفردات التي استدعاها الحزب في خطابه عن ضرورة تعزيز الحياة الديموقراطية تقوم على احترام الحقوق والحريات الفردية، وتحث على المشاركة الشعبية، وهي بذلك تتفق مع المقاييس الدولية لقياس الديموقراطية، وهي مفردات غربية الطابع لا تحمل اي اشارة للخصوصية التركية وللأبعاد الثقافية الاسلامية الخاصة.

  من هنا لم يكن غريباً ان يصبح الحزب الجديد اكثر اوروبية واكثر تفاعلاً مع القيم الغربية في الديموقراطية واحترام حقوق الانسان، في المؤسسة العسكرية الكمالية التي يفترض انها حامية العلمانية التركية. ومن هنا حكمة تفضيل العلمانية بمعناها ومدلولها الاوروبي عن العلمانية الكمالية في خطاب حزب العدالة والتنمية. وهكذا بدت المؤسسة العلمانية التركية في وضع اكثر محافظة من نظيراتها ذات الاصول الاسلامية في الموقف من الانضمام للاتحاد الاوروبي الذي بدا حزب العدالة ساعياً بشكل جدي اليه، مختلفاً عن كل اسلافه، باستثناء حزب الفضيلة، كما في تبنيه الديموقراطية وقيم حقوق الانسان التي كثيراً ما اعتبرها الاسلاميون انها صناعة غربية. وهكذا بدا حزب العدالة اكثر انفتاحاً وليبرالية من التيار العلماني الكمالي، لكنه انفتاح يتميز بالقدرة على صياغة مساحة من “التفاعل النقدي” مع منظومة القيم الاوروبية يغيب فيها منطق القطيعة والعزلة كما كان يطرح اغلب الإسلاميين[3].

إيران: الثورة حين يتصارع أبنائها

 انتصرت الثورة الاسلامية عام 1979 بفعل حركة جماهرية هائلة ألهبت خيال الشعوب المتطلعة الى الحرية، وكان هذا حول قيادة الامام الخميني في الخارج وعدد من العلماء الذين تتلمذوا على يديه او قبلوا بقيادته في الداخل. إنخرط في هذه الثورة قوى سياسية منظمة وعريقة، وتيارات معارضة تاريخياً لحكم الشاه، وهي برغم تحفظها على بعض بنود الدستور وبعض السياسات الداخلية والخارجية إنخرطت في جسم الجديد وتحول بعضها تدريجياً الى معارضة غير جذرية، وأمكن لها بالتالي الحفاظ على وجود محدود، وما ان انتهت الحرب العراقية- الايرانية التي تطلبت خفض وتيرة الخلافات الداخلية حتى بدأت التشققات في الظهور في صفوف الطبقة السياسية الحاكمة، وكانت اولى تجلياتها اطاحة آية الله منتظري من موقعه كخليفة للامام الخميني في منصب الولي الفقيه او القائد الاعلى للجمهورية، وما لبث خلال السنوات التالية ان اتسع نطاق التشققات داخل النظام في كافة الاتجاهات.

  ولعله من الخطأ الفاضح تصور الانقسام السياسي الحالي وكأنه وليد هذه المرحلة تحديداً، بل ان المتتبع للحياة السياسية في إيران يعرف تماماً ان هذا الانقسام، كان موجوداً بتعبيرات وتجليات مختلفة منذ اللحظة الاولى لانتصار الثورة، ومحاولة قائدها ورمزها تأسيس مشروع الدولة الاسلامية الذي شكل دستورها اولى النماذج التي تبنت الاسلام ديناً ودولة وشريعة ومنهاجاً وحاولت ان تقدمه بلغة تنسجم مع العصر ودساتير العالم من جهة ومتطلبات الواقع من جهة اخرى. ولم يكن هذا سهلاً فقد وضع الدستور عام  1979، ثمّ ادخلت عليه تعديلات هامة وذات دلالة عام 1989.

  بعد الاستفتاء العام على نظام الحكم الذي سيعتمد في إيران، بدأ العمل على وضع دستور إسلامي للبلاد عام 1979، وهنا برزحينها خلاف بين الإمام الخميني وآية الله شريعتمداري، فالأول كان يريد إستفتاء شعبي على دستور إسلامي تم تحضير مسودته إستناداً إلى كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني، أما الثاني مؤيداً من بعض التيارات السياسية فكان رأيهم أن يعرض الدستور الجديد على جمعية تأسيسية منتخبة من كل فئات الشعب، وبعد المصادقة عليه لا مانع من عرضه على الإستفتاء الشعبي، وبعدها يصار إلى إجراء إنتخابات عامة لإستكمال بقية الأجهزة للدولة الجديدة [4]. وقد تقرر حينها كحل وسط إنتخاب جمعية من الخبراء على أن يكون أعضاء هذه الجمعية خمسة وسبعون وتتولى مهمة درس مسودة الدستور التي أعدها الإمام الخميني وفريقه، وإقرارها او إدخال التعديلات عليها قبل طرحها على الإستفتاء الشعبي العام. تم وضع بعض الشروط المتعلقة بمن يود الترشيح لجمعية الخبراء، وخصص مقاعد للاقليات، إلا أن الإجراءات هذه فضلاً عن تنظيم العملية الإنتخابية جوبهت بإعتراض آية الله شريعتمداري وأنصار الجبهة الوطنية الذين قاموا بسحب مرشحيهم. حقق أنصار الخميني فوزاً كبيراً وحصلت المعارضة على 13 مقعداً في المجلس، ويومها إرتفعت أصوات عن أعمال تزوير وضغوط وتزييف للنتائج [5] وهذا ما دفع شريعتمداري إلى تأكيد مطلبه بالعودة إلى دستور 1906 بعد إجراء تعديلات تتلائم مع الجمهورية الإسلامية وهو ما تم رفضه بطبيعة الحال. بدأ عمل الجمعية المنتخبة التي تحول أسمها إلى مجلس الخبراء لوضع الدستور في صياغته النهائية بعد ما كانت المسودة الأولية جاهزة، وهو الأمر الذي تم في شهر كانون الأول من العام نفسه (1979).

  وبعد عشرة أعوام على إقراره بيّنت التجربة عن ثغرات في التطبيق أوجبت إدخال تعديلات تتعلق بتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية التي كانت محدودة في ذلك الدستور، كذلك أوجدت التعديلات آلية لتسوية أي خلاف بين أجنحة السلطة وخاصة (البرلمان ومجلس صيانة الدستور)، وكذلك أدخلت تعديلات لشروط المرشد وصلاحياته إستعداداً لمرحلة ما بعد الخميني. والواقع أن هذه التعديلات برمتها كانت بإيعاز من الإمام الخميني الذي أوعز آنذاك إلى آية الله علي خامنئي- المرشد حالياً بضرورة إيجاد بعض التعديلات الدستورية وذلك تطويراً للإيجابيات التي كشفت عنها التجربة العملية للجمهورية الإسلامية وتصحيحاً للسلبيات التي عانتها [6]. والتقى ذلك الإيعاز مع الرسالة الموقعة من 170 نائباً في البرلمان والمرسلة إلى الإمام الخميني مطالبة إياه بضرورة إجراء تعديلات سريعة على الدستور [7]. وبالفعل شكلت لجنة لدراسة التعديلات وأنهت عملها أواخر تموز من العام 1989، وكان قد توفي الإمام الخميني، وتحت وطأة الوفاة جرى الإستفتاء على التعديلات التي نالت 97,3 بالمئة من التأييد.

  ما استطاع الإمام الخميني احتواءه من تناقضات وتيارات لم يكن بإمكان خليفته أن يفعله، وبعض القضايا التي استمر الجدل حولها تتعلق بمسألة ولاية الفقيه المطلقة، التي تعتبر احدى الأسس الدستورية للجمهورية وتقوم عليها بالتالي فلسفة الحكم برمتها. وقد جاءت المعارضة لولاية الفقيه من ناحيتين، واحدة محافظة وأخرى ليبرالية. بعض المحافظين المتدينين رأوا أن لا ولاية مطلقة في غيبة الإمام المهدي، وأن شرعية النظام الإسلامي لا تقوم إلا بظهوره، وان التسليم لنظام الجمهورية الإسلامية بالشرعية الإسلامية إنتقاص من الشرع نفسه. أما المعارضة الاصلاحية ذات النزعة الليبرالية فقالت أن مسودة الدستور التي وقع عليها الإمام الخميني لم تحتو المادة الخاصة بولاية الفقيه، وأن هذه المادة أضيفت بعد ذلك بضغط من مجموعة بهشتي النافذة في المجلس الذي انتخب لصياغة دستورالجمهورية، ويسعى هؤلاء لتخليص الجمهورية من سلطة ولاية الفقيه، وإقامة نظام ديموقراطي يحترم الإسلام ومؤسسة العلماء، وهو تصور أقرب إلى حركة المشروطية الدستورية مطلع القرن العشرين. مع ذلك فإن الجدل لم يقف عند حدود ولاية الفقيه، بل طال مسألة الحريات العامة والشخصية، وحرية الصحافة السياسية، وسلطة الدولة ودورها في مجالات الإقتصاد والتنمية والتعليم والفنون والاعلام والسياسة الخارجية والعلاقة مع الغرب وتقريرالاولويات الإسلامية والقومية في علاقات إيران الخارجية ودورها الإقليمي.

  التطور الخطير الذي حدث هو إنتقال الإنقسام السياسي إلى صفوف الطبقة التي قادت الجمهورية بعد غياب الشخصيات الكبرى مثل مطهري ومهبشتي وعزل منتظري، وأبرز تجليات هذا الإنقسام كانت في الحملة الإنتخابية لمحمد خاتمي في أيار/ مايو 1997 عندما إجتمع عدد من القوى فيما أصبح يعرف بمعسكر الاصلاحيين الذي ضم مجموعات متنوعة ومتعددة المشارب من داخل النظام من بينها رموز كبيرة ومعروفة كحجة الإسلام كروبي رئيس البرلمان الأسبق ومير حسين موسوي ومحسن كديفر ومجتهد سبشتري وعزت الله سحابي فضلاً عن دعم هاشمي رفسنجاني وغيرهم. في مواجهة هذا الائتلاف الاصلاحي الكبير إجتمعت القوى المحافظة حول حجة الاسلام ناطق نوري وضمت مجموعة واسعة أيضاً من الشخصيات والتيارات فضلاً عن كبار ضباط الحرس الثوري السابقين الذين باتوا يمسكون بقطاع واسع من المؤسسات العامة ويرأسون بلديات ومحافظات هامة. أدت الخلافات الكبيرة التي نشبت بين معسكري السلطة إلى إضطراب كبير في آداء حكومة خاتمي الذي حقق فوزاًَ كبيراً ولافتاً، مما ولّد شعوراً بالخيبة في الشارع الإيراني، نجح فيه المحافظون في إعادة تنظيم صفوفهم وتحقيق عودة مظفرة إلى السلطة في إنتخابات 2002 المحلية، وبعدها بسنة حصدوا أكثرية في الانتخابات البرلمانية، توّجت في العام 2005 بوصول محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية.

  أظهر نجاد في حملته الانتخابية الأولى ضد رفسنجاني توجهاً نحو إطاحة الطبقة الحاكمة القديمة عندما أكثر من الحديث عن الفساد الذي تفشى في صفوف هذه الطبقة. ويمكن القول ان رئاسة نجاد الذي أعلن ولاءه المطلق للولي الفقيه، كرست قيادة المرشد آية الله خامنئي بلا منازع، بعد ان إتسمت السنوات الثماني الأولى من عهده بشراكة بينه وبين الرئيس رفسنجاني، والثماني التالية بتوتر متفاوت بينه وبين الرئيس خاتمي، التفاهمات الواضحة بين المرشد ورئيس الجمهورية داخلياً وخارجياً، أدت إلى تهميش متزايد للحرس القديم وعلى رأسه رفسنجاني، بل دفعت عدداً من الشخصيات المحافظة مثل رئيس بلدية طهران قاليبان ورئيس البرلمان الأسبق ناطق نوري ورئيس البرلمان لاريجاني إلى معارضة نجاد.

  لذلك كان ترشيح الاصلاحيين ميرحسين موسوي لخوض الإنتخابات ضد أحمدي نجاد في 2009 خطوة ذكية ومحسوبة، فموسوي معروف بتوجهاته الوسطية بين الاصلاحيين والمحافظين، وهم بترشيحهم له راهنوا على إنتزاع أصوات قطاع ملموس في المناطق والدوائر المحافظة. ثمة مؤشرات على ان تزييفاً وقع بالفعل في بعض الدوائر الانتخابية. ما هو تأثير هذا التزييف على مصير العملية الانتخابية ككل، وهل كان أحمدي نجاد بحاجة لهذه الأصوات؟ ثمة الكثير من الأسئلة تطرح في هذا المجال. إلا أن الأمر الذي لا جدال فيه ان إنفجار الشارع الإيراني والصدامات التي شهدتها شوارع طهران ليست مرتبطة بنتيجة الإنتخابات، بقدر ما هي مرتبطة بجذور الإنقسام السابقة في صفوف الطبقة الحاكمة والجديد فيها كان إنحياز رفسنجاني والكتلة التي إستشعرت التهميش خلال سنوات حكم نجاد والتي ظهرمعها وكأنها معركة مع المرشد خامنئي الذي لم يخف إنحيازه لنجاد.

  يمكن القول ان الصراع الحالي في إيران لم يعد اليوم صراع تكتلات داخل نظام الجمهورية الإسلامية، لكنه صراع إتجاهات يبرز فيها إتجاهان رئيسيان: الأول هو إتجاه إصلاحي تغييري يقوده المعتدلون داخل النظام، إنخرط في التيار الاصلاحي شرائح مهمة من التيار المحافظ، وهذا الإئتلاف يرى ضرورة إجراء تعديلات داخل النظام بما يجعله أكثر قدرة على التوافق مع التطورات التي تمر بها إيران داخلياً وخارجياً، ويدعو إلى تغليب المصلحة على الايديولوجيا، وهو يعتبر ان المرشد الأعلى ليس خليفة الله في الأرض ولا منزهاً، بل يمكن مراقبته ومحاسبته من خلال الدستور. أما الاتجاه الثاني الذي يقوده الجناح الأصولي الذي ينتمي إليه أحمدي نجاد فيلتزم حرفياً بالثوابت التي كانت عليها الجمهورية ولا يرى اي ضرورة للتغيير.

  لقد أفرزت أزمة الانتخابات تحدياً صريحاً لمكانة المرشد الأعلى للجمهورية وإرادته، وهذا تطور جديد في النظام السياسي، وهو تطور واكبه خروج بعض آيات الله في حوزة قمم للتأكيد بأن ولاية الفقيه تسقط عن أي شخص منحاز يقف ضد إرادة الناس، بما يعني ان صدقية المرشد أصبحت مثاراً للتشكك وفقدت اليقينية التي كانت تتمتع بها. مع ذلك تبدو القيادة العليا في إيران انها حسمت موقفها من الازمة بإتجاه المواجهة وليس بإتجاه البحث عن حلول وسط، وبدأت في التحرك لتضييق الخناق على معارضيها. ورغم هذا لا تبدو الامور على ما يرام داخل معسكر المحافظين، فقد أثار قرار نجاد بتعيين اسفنديار رحيم مشائي نائباً اول له أزمة سياسية حادة بينهم، وهو الذي أخذ عليه تصريحه الشهير بأن إيران صديقة للشعبين الاسرائيلي والاميركي وإقامته حفلاً راقصاً لفتيات يرفعن المصحف خلال توليه منصب مساعد الرئيس لشؤون التراث والسياحة، وعلى خلفية هذا الاحتجاج على قرار نجاد أصدر المرشد خامنئي أوامره لنجاد بإقالة نائبه الأول الذي تأخر لمدة اسبوع قبل الاستجابة للطلب، وحاول الالتفاف على القرار بتعيين مشائي مديراً لمكتب الرئيس ونقل صلاحيات النائب الاول إليه، الأمر الذي أعطى إنطباعاً أن المرشد الأعلى للجمهورية أصبح أضعف الآن من أي وقت سابق.

    أبرزت الازمة الاخيرة أيضاً الدور المتناهي للقوى ذات الطبيعة العسكرية ولا سيما الحرس الثوري في حماية النظام والسلطة السياسية للمحافظين، وتشير المعطيات إلى ان حسم الانتخابات الحالية تم في ظل تحالف بين المحافظين والعسكر الذين اصبحوا شركاء أساسيين، وان تسليم السلطة للمدنيين في الظروف الراهنة لم يعد وارداً. يعزز هذا الرأي أن مؤسسات الدولة ومرافقها لم تعد بمنأى عن العسكرة، حيث اصبحت نسبة من يشغلونها من ذوي الخلفية العسكرية وتحديداً من قدماء الحرس الثوري ملفته للانتباه. فنسبة نواب البرلمان الحالي من ذوي الخلفية العسكرية على سبيل المثال تصل الى ما يزيد عن 60 بالمئة.

  ما يحدث ان دل على شىء فإنما يدل على عجز النظام ومؤسساته عن استيعاب مختلف التيارات المنخرطة في اطاره، وهو النظام الذي سبق وأبعد التيارات والقوى المخالفة في رؤيتها لطبيعة النظام ذاته، الخلافات الانقسامية داخل قوى النظام مرشحه للاستمرار ما لم يسعى أهل الجمهورية إلى توليد صيغة استيعابية حاضنة تعيد الجميع إلى حضن النظام بدلاً من الشارع.

  في الخلاصة المقارنة بين التجربتين غنية، يلخص الباحث الإيراني أصغر شيرازي أزمة النظام بقوله:

  إن أبرز التناقضات التي أثرت بشكل كبير على تطور الدولة منذ الثورة، وهي مرشحة في كل الأحوال للتفاقم، تتمثل في التناقض بين معطيات النظام غير الديموقراطية ومعطياته الديموقراطية في نفس الوقت، والناشئة أساساً من الصراع بين فكرتي السيادة المزدوجة التي يطرحها الدستور: سيادة الشعب من جهة وسيادة الفقهاء الإسلاميين من الجهة الأخرى، وهي سيادة يمارسها الفقهاء بوصفهم ممثلي الله [8]. في المقابل بقدر ما كان نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا وإستمراره في الحكم يرجع إلى تخليه عن الخطاب الايديولوجي الجامد dogmatique وتحوله إلى تيار واقعي pragmatique، وقيامه بمراجعات شاملة لأفكاره ونجاحه في تجاوز الصورة الأولى التي ظهر عليها أسلافه الإسلاميون في ظل الأتاتوركية العسكرية، كان أيضاً نجاح النظام السياسي العلماني التركي وإنفتاحه الديموقراطي الذي إستتبع بالضرورة تطور التيار الإسلامي وإنفتاحه لبناء آلية مؤسسية تضمن التفاعل الديموقراطي بين الجانبين بما يرسم الطريق نحو صناديق الإقتراع والبرلمان وليس نحو الشارع والفوضى والعنف. هذه الخبرة الهامة تحتاجها الحركة السياسية الإصلاحية في إيران ويحتاجها النظام الإسلامي وقواه المحافظة بشكل أعمق، وهذا لا يمكن بدون نظام تعددي قادر على تحويل الايديولوجيا من لغة مطلقات إلى منظومة قيم وأفكار وبرامج وآليات محاسبة وحريات لا تكتم أنفاس المؤمنين وإنما تساعدهم على حكم أنفسهم وتطوير واقعهم وصياغة برامجهم ومراجعتها بشكل مستمر. إن الحلول الإستبدادية وإن كانت مستورة أصبحت بالية، ونجاح أي نظام تقاس بقدرته على إدارة التوترات والتناقضات وإقامة قواعد المواطنة على أسس ديمقراطية وإصلاحية تضمن تداول السلطة في أجواء من الحريات التي يمكن فيها القيام بالمراجعة والمساءلة والنقد وكل أنواع المعارضة السلمية الديموقراطية.

نشرت في مجلة الغدير اللبنانية  عدد ايار 2010


[1]. جلال عبد الله، عوض؛ صناعة القرار في تركيا والعلاقات العربية التركية؛ بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية؛ 1998، ص106-107.

[2] . جلال عبد الله، عوض؛ المرجع السابق، ص110-111.

[3] . انظر: إسلاميون وديموقراطيون (تحرير عمر الشوبكي)، مقال جان ماركو “الإسلام السياسي وما بعد الإسلام السياسي في تركيا”؛ ص185؛ ودراسة عمر الشوبكي؛ ص140.

[4]  - طلال مجذوب: إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية (1906-1979) ص 441.

[5]  - أصغر شيرازي: السياسة والدولة في الجمهورية الإسلامية، دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، 2002، ص 69.

[6]  - محمد صادق الحسيني: صنع القرار في إيران وتركيبة النظام الإسلامي، مجلة شؤون الأوسط، العدد 54، آب 1996، ص 15.

[7]  - نيفين مسعد: صنع القرار في إيران، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002، ص 71.

[8]  - الأصغر شيرازي: المرجع السابق، ص 11.

السلفية: النشأة والخطاب والتيارات بقلم الدكتور عبد الغني عماد

السلفية: النشأة والخطاب والتيارات

                                                                    الدكتور عبد الغني عماد*

   

  يرافق مصطلح السلفية الكثير من الغموض من حيث دلالاته المعرفية أو بيان نشأته والتطورات التي داخلته. وكما هو الحال مع الكثير من المصطلحات التي يزداد غموضها كلما أصبحت شائعة ومتدأولة بين فرقاء مختلفين، أصبح مصطلح السلفية مجال تجاذب ونقاش زاد من غموضه وتعقيداته تشابك وتداخل المسائل السياسية والعقائدية والمعرفية التي رافقت استخدامه في هذا المجال.

  السلفية لغة، نسبة إلى السلف أو الجماعة المتقدمين كما هي في لسان العرب عند ابن منظور. أما المفهوم الإسلامي الشائع للسلفية والمستقر نسبياً فهو الاتجاه الذي يدعو إلى الإقتداء بالسلف الصالح وإتخاذهم قدوة ونموذجاً في الحاضر. والسلف الصالح هم أهل القرون الثلاثة الأولى من عمر الأمة الإسلامية، عملاً بقول النبي r: “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته”.          

  هذا المفهوم العام والشائع للسلفية ينطبق على أغلب المسلمين، فهم جميعاً سلفيون بهذا المعنى، إلا أن التطور التاريخي ساهم في توليد سلفيات متعددة تختلف فيما تتبناه من قضايا وأولويات وتتباين في درجة أو شدّة التسلف في العبادات وفي المعاملات، في المقاصد وفي الوسائل.

- في البعد التاريخي للسلفية:

  إلا أن موضوع السلفية ليس بهذا التبيسط، فمن الضروري الغوص بعيداً في التاريخ من أجل فهم السلفية كتيار وعقيدة، وقبل إلقاء نظرة على القرن الثامن عشر، وقراءة محمد بن عبد الوهاب والتجربة السلفية المعاصرة، لا بدّ من العودة إلى القرن التاسع مع الإمام أحمد بن حنبل الذي لعب دوراً هاماً في صناعة الأحداث في بغداد في الربع الأول من ذلك القرن، حيث كان يشدد أكثر من غيره على العودة كلياً إلى النص والسير على خطى السلف الصالح رغبةً منه في تطبيق النموذج الذي نشأ في “المدينة” مع النبي عليه الصلاة والسلام. ومع أن نموذج “المدينة” هو شكل مقتطع من التاريخ الحقيقي الذي شهد صراعات وحروباً بعد انقضاء سنوات قليلة على وفاة صاحب النموذج، تمثل في أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قضوا اغتيالاً، وأن حروباً وفتن نشبت حتى بين الصحابة، وسادها الكثير من الاحتجاجات والسجالات المتبادلة حول شرعية كل واحد منهم، مما دفع ابن حنبل إلى السعي لتهدئة واستيعاب تلك المواجهات وآثارها والعداوات التي انقسم المسلمون حولها باكراً، لذلك عمد إلى التخفيف من أحكامه على من ضلّ خلال الفتنة الأولى ساعياً إلى رأب الصدع وتحقيق أوسع إجماع داخل الأمة حول الحقيقة الواحدة للدين، ولكي يتم تجنب أي تأويل مجازي، وخاض في سبيل ذلك مواجهات فكرية وفقهية عديدة. وتاريخياً يمكن اعتبار تلك المرحلة التي تبلور فيها تيار “أهل الحديث” في القرن الثاني الهجري في مواجهة التحدي الحضاري الذي مثلته الفلسفة اليونانية ومؤثراتها على ثقافة الأمم الأخرى، وهو ما برز بوضوح في مقاومة أحمد بن حنبل، والحنبلية من بعده، للاتجاهات العقلانية والفلسفية والمعتزلية والكلامية عموماً، والتي صعدت بقوة في عهد الخليفة المأمون (ت 218 هجرية) وخلالها تعرض الإمام أحمد والكثير من الفقهاء لما يعرف بـ “محنة خلق القرآن” حيث كان من أبرز نتائجها التبلور الواضح للاتجاهات الفكرية والفقهية الاسلامية[1]، وخاصةً ما يتعلق بتكوين الملامح النظرية والفقهية لتيار أهل الحديث والاتجاه السلفي عموماً في إطار مكونات اجتماعية وأوضاع متمايزة.    

  الحلقة الوسطى بين ابن حنبل وابن عبد الوهاب يمثلها ابن تيمية (1328 م) الفقيه الحنبلي السلفي الذي عاش أيضاً فترة عصيبة مرّ بها الإسلام تمثلت بالغزو المغولي ونهب بغداد وسقوط الخلافة، في وقت كان فيه الخطر الصليبي ما زال ماثلاً في الأذهان. تلك الحالة ولدت إحساساً شعر معه المسلمون أن دينهم مهدد حتى في وجوده. وقد صرف ابن تيمية حياته بما أوتي من جهد وصبر لرصد أي ثغرة تمسّ نقاوة العقيدة، وصفاءها، فتصدى لكل ما صادفه من انعكاسات للفلسفة اليونانية ومؤثراتها على الإسلام، وساجل المذاهب الباطنية معتبراً أنها من البدع بسبب ما توليه من أهمية للتأويل، وأنكر مفهوم وحدة الوجود التي قال بها الصوفيون ومارسوها بعدما رأى فيهم خطراً أشد من المسيحيين على دين قائم على عقيدة التوحيد. وألّف كتاباً صار مرجعاً لكل السلفيين هدفه تنقية الرسالة المحمدية من كل شائبة حمل عنوان (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) وهو كتاب صغير الحجم كبير التأثير، لا يزال يطبع حتى الآن مما يدلّ على الانتشار الذي يحظى به، وهو يتناول علاقة الأمير برعيته في ظل الشريعة، ويشدد على تطبيق الحدود بشكل حرفي، لكنه يولي موضوع الجهاد اهتماماً مميزاً ويساوي بينه وبين الصلاة، حتى ليبدو أنه يضعه فوق الأركان الشرعية الأربعة (الشهادة، والصوم، والزكاة، والحج)، فالدين جذعه الصلاة وتاجه الجهاد. وهو بذلك يجعل محاربة الكفار أحد وظيفتي وليّ الأمر، حيث الأولى تتمثل بتكريس طاقته لخدمة الدين بتأمين انتصار الفضيلة داخل الأمة من خلال إقامة الحدود، والأخرى خوض الجهاد المقدس خارج دار الإسلام. وهو بذلك يريد أن يحقق الإسلام أكبر نجاح ممكن سياسياً ودينياً، وبذلك يصبح السياسي والديني شيئاً واحداً لا يمكن الفصل بينهما، فالسلطة التي لا تهتم للشأن الديني، والدين الذي لا يهتم إلا لذاته متخلياً عن القوة والعظمة، مكتفياً بالتقوى والخشوع، يخسر في الحالتين وينتهي الاثنان إلى الفشل والخراب وتلك هي حال المسيحية واليهودية اللتين أصيبتا بهذا المرض الذي منعهما من إقامة الصرح الديني. هكذا تحول ابن تيمية من فقيه إلى مجاهد يحثّ على الجهاد في العقيدة، وهو ما يعمل الأصوليون والسلفيون المعاصرون على إحيائه[2].

  مع محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) مؤسس التيار الوهابي السلفي، الذي انطلق من عمق الجزيرة العربية في مسقط رأسه نجد الذي التحق به آل سعود، انطلقت حركة تطهيرية ستسهم بعد قرنين في ولادة المملكة العربية السعودية، لكنها في البداية تعرضت لضربات أجهضت مشروعها على يد والي مصر محمد علي (1769- 1848 م) حيث تمكن من طرد الوهابيين من الحجاز (1812 – 1817 م)، كذلك فشلت محاولة أخرى لإقامة دولة الوهابيين أواسط القرن التاسع عشر، لكن مع مطالع القرن العشرين تضافرت الظروف لإعادة إحياء المشروع، وبعد ثلاثين عاماً نجحت قبيلة آل سعود الملتزمة بهذه العقيدة في فرض هيمنتها على جميع القبائل ووحدتها لتنشأ الدولة السعودية عام 1932 التي اعتبرت العقيدة الوهابية عقيدة رسمية أوكل أمر تطبيقها بكل صرامة إلى المطاوعية القائمين على تطبيق أحكام الشريعة في الحياة العامة.

  ثمّة حلقات ثلاث (الحنبلية – ابن تيمية – الوهابية) شكلت الحضن التأسيسي والتاريخي للتيار السلفي، وفي كل حلقة كان هذا التيار يتّجه نحو المزيد من التأصيل والتشدّد، وفي كل حلقة أيضاً كانت تنطلق الموجة السلفية مجدداً بزخم أقوى، ولم يكن صدفة أن يتزامن ذلك دائماً مع تحديات حضارية كبرى، والسلفية المعاصرة اليوم كحلقة راهنة تطلق موجة دفاع عن العقيدة لا تختلف في دوافعها عن سلفيات الأمس وإن اختلفت في الوسائل والأساليب وبعض الاجتهادات.   

- في البعد المعرفي للسلفية الوهابية:

  وإذا تمعنا في كتابات ابن عبد الوهاب، كصاحب عقيدة، بقراءة أشهر كتبه (التوحيد) نكتشف غياب أي تجديد، ولا غرابة في ذلك، فهو مليء بالاستشهادات والاقتباسات التي تؤكد مرجعيته الحنبلية المتشددة، حتى ليبدو معلمه أحمد بن حنبل في الواقع أكثر تسامحاً في بعض المسائل. ويعترف ابن تيمية نفسه بأن معلمه كان متشدداً في ما يخص “العبادات” ومتحرراً تماماً في موضوع “العادات”. حتى أن ابن حنبل تغاضى عن التوسل بالأولياء وزيارة القبور، وإن لم تكن الطرق قد تشكلت بعد في عصره. نشهد في هذا المجال تدرجاً في الحدة بين الحلقات الثلاث التي تبلورت خلالها العقيدة السلفية، فهي حلقات انتقلت من التساهل النسبي مع ابن حنبل إلى الانتقاد النظري الجذري من جانب ابن تيمية وصولاً إلى استخدام العنف وهدم الأضرحة ومنع كل الممارسات التي تسيء إلى صفاء العقيدة مع الوهابيين، بحيث لم يتبقَ في المملكة السعودية أي قبر من قبور الصحابة والأولياء باستثناء قبر النبي.

  انطلق ابن عبد الوهاب في صياغته من اعتبار عقدي، وهو أن التوحيد أساس الإسلام، وهو يعني إفراد الله بالعبادة دون سواه فالمجتمع يجب أن يكون حقلاً تطبيقياً لهذا التوحيد الإلهي، ويعبر عن ذلك من خلال التمييز والتكامل المعرفي الذي يقيمه بين فكرتي توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. فتوحيد الربوبية يترتب عليه توحيد الألوهية، وبالتالي فإن القبول بتعدد الآلهة هو إدخال للشرك في الحياة الدينية. وبالعكس لا يمكن التسليم بتوحيد الربوبية وفي نفس الوقت الإيمان والولاء لغير الله، مما يعني أن توجيه جزء من العقيدة التي يدان بها الله نحو نبي أو ولي أو حاكم سياسي… الخ هو بمثابة وقوع بغير وعي في الشرك والكفر، ولا يمكن تحقيق المبدأين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتجسيد الإيمان الحقيقي بالله إلا من خلال ما يسمونه عقيدة الولاء والبراء وهما شرطين من شروط الايمان. ومعنى الولاء هو حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم، والبراء: هو بغض من خالفهم من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق، ومعاداتهم وجهادهم بالقلب واللسان. الولاء والبراء إذن من أعمال القلوب لكن يجب أن تظهر مقتضياته على اللسان والجوارح، استناداً إلى الآية القرآنية: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَنيَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِيالْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (المائدة: 51).

  في الخلاصة نشهد في هذا المجال تدرجاً في الحدة بين الحلقات الثلاثة التي تبلورت خلالها العقيدة السلفية، فهي حلقات انتقلت من التساهل النسبي مع ابن حنبل إلى الانتقاد النظري الجذري من جانب ابن تيمية، وصولاً إلى استخدام العنف وهدم الأضرحة ومكافحة التصوف والتوسل، ومنع كل الممارسات التي تسيء إلى صفاء العقيدة مع الوهابيين، بحيث لم يتبقَ في المملكة العربية السعودية التي تبنت تحت قيادة عبد العزيز بن سعود (1902-1953) العقيدة السلفية الوهابية، أي قبر من قبور الصحابة والأولياء باستثناء قبر النبي.

  في الممارسة، يفتح مفهوم التوحيد كما تقدمه الوهابية، الباب واسعاً أمام ضوابط شديدة الصرامة، فعندما تقوم العقيدة على مفهوم التوحيد بشقيْه كما سبق وأشرنا، فإن السلوك والممارسة ينبغي أن يتطابق مع هذا المفهوم بشكل لا يكون فيه أي مجال أو شبهة إشراك وكفر بأية طريقة، سواء أكانت عبادة أو تقرباً أو دعاء أو سلوكاً اجتماعياً، وهذا ما حوّل الدعوة الوهابية من خطاب ديني لاهوتي إلى إيديولوجيا تنقض الواقع وتتتبع مصادر الشبهات الشركية والكفرية فيه، وتقدم البدائل عنها.

  وبحكم تركيزها على الجانب المعتقدي التوحيدي، فإن العالم ينقسم وفق هذه المنظومة بشكل ثنائي استقطابي متضاد: عالم كافر مشرك، وعالم مسلم صحيح الإيمان يمثله أهل التوحيد. وقد قادت هذه الرؤية إلى توسيع دائرة ما يعرف بمفهوم “الولاء والبراء” وبالتالي التوسع بتكفير الآخر على ضوء ما عرف في أدبيات الوهابيين بنواقض الإسلام أو قواعد التكفير العشرة التالية:

1- الشرك في عبادة الله ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم.

2- من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعاً.

3- من لم يكفر المشركين أو شكّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم.

4- من اعتقد أن هدى غير النبي r أكمل من هديه أو إن حكم غيره أحسن من حكمه.

5- من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول r.

6- من استهزأ بشيء من دين الرسول.

7- السحر ومنه الصرف والعطف، من فعله ومن قبله ورضي به.

8- مظاهرة أو مناصرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.

9- من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج على شريعة محمد r.

10- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به [3].

  وفق هذا الفهم لا يمكن اعتبار كل الحركات الإسلامية سلفية، فالمعايير التي تضعها السلفية الوهابية شديدة الصرامة، ومثال على ذلك أن “حسن البنا” في تعريفه للأخوان المسلمين يقول أنها (طريقة سلفية وطريقة صوفية ودعوى اصلاحية و….) يجمع بين متناقضات حسب القراءة السلفية المتشددة، فاعتباره الاستشفاع بالأولياء ليس من المسائل الاعتقادية بل من المسائل الفرعية، أمر يتناقض كلياً مع ما يتشدد السلفيون الوهابيون في مكافحته باعتباره كفراً، وهم يصفون أهل الصوفية وأتباعهم بالقبوريين.

  ويمكن تحديد الأسس التي تشكل المنظومة المعرفية التي يقوم عليها المنهج السلفي بالعموم، بالعناصر الصلبة التالية:

1- الأولوية للنص على العقل والتسليم الكامل بنصوص الكتاب والسنة وتفسيرها بلا تأويل ولا هوى، واعتبار الأصول ثلاث وهي: الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

2- عقيدة الولاء والبراء، وبمقتضاها ينبغي التبرؤ من أهل الأهواء والبدع والتأويل من المشبهة والمعطلة الذين يأخذون الدين بالعقل أو بغير سنّة الأتباع من الصحابة والسلف الصالح. لكنهم مع ذلك يرفضون تكفير المعيّن، باعتبار أهل القبلة مسلمين مؤمنين ما داموا معترفين ومصدقين بما جاء به النبي r.

3 – التنزيه في التوحيد وتأكيد كافة أشكاله من الربوبية والألوهية والصفات والأسماء وردّ الخلق والأفعال إلى تقدير الله ومشيئته وقضائه وقدره، والقول بالاصطفاء للجنة والنار فضلاً ووعداً.  

4- الطاعة ودرء الفتنة ورفض الخروج على الحاكم، وهو ما تعبر عنه “العقيدة الطحاوية” التي تمثل النص الأبرز في الاعتقاد السلفي والحنبلي مع كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب وفيها: لا نرى الخروج على أئمتنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل”[4].

5- الاقتداء بالخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والايمان بعدالتهم والسكوت عما بدر بينهم من خلاف، ولهم مواقف شديدة في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة في مواجهة من يعتبرونهم مخالفين لم تقف عند حدود المعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية والمشبهة بل طالت الصوفية، والأشاعرة، والشيعة الإمامية وكافة الفرق الأخرى.

6- ترفض السلفية البدع وهي عندهم “الحدث في الدين أو ما استحدث بعد النبي من الاهواء والأعمال..” لذلك يرفضون كل منتج فكري بعيد عن أصل الدين، بل يذهب بعضهم إلى تكفير الأخذ به شأن كل البدع الفكرية المخالفة الآتية من الحضارة الغربية وهم يشددون على كمال الدين وتمامه، لذلك يعدُ الليبراليون والعلمانيون والشيوعيون بل وحتى القوميون أشد أعداء السلفية، وقد صدرت فتاوى عديدة في المملكة العربية السعودية بتكفيرهم، دون تعيين، وإن كان الموقف من المسألة الديموقراطية والمشاركة في الحياة السياسية بدأ يشهد بعض التطور داخل بعض أجنحة السلفية كالسلفية الحركية أو السرورية، التي بدأت بعض فروعها في الخليج بالتوجه نحو العمل السياسي والبرلماني[5]. إلا أن السلفية العلمية والتقليدية ترفض فكرة التنظيم والبيعة ويتفقان معاً على رفض الاحتكام للقوانين الوضعية ودخول المجالس البرلمانية وهو ما اتجهت إليه حركة الأخوان المسلمين والتيار الحركي السروري في عدد من البلدان.

  هذه المنظومة لم تتشكل إلا عبر مسارات تفاعلية مع تلك الموجات التاريخية الثلاث الكبرى التي مثلت عوامل دفع لهذه الدعوة، بقدر ما مثلت عوامل تأصيل لها جعلتها على مستوى الحركة والعقيدة تنتعش على الدوام، وتعود إليها الروح كردة فعل على تحديات تستشعر فيها الجماعة خطراً على الدين من الداخل أو الخارج، ويصح القول بالتالي أنها حركة دفاع وتمركز حول الذات تتحصن في التاريخ، وتستلهم “النموذج” كفعل هروب لا واعٍ من تحديات الواقع وإنكساراته، وهو ما تعبّر عنه ممارسات تيارات الحركة الإسلامية المعاصرة في كافة اتجاهاتها في عصر العولمة واكتساح قيم الغرب وأنماطه الثقافية.

- السلفي والأصولي:                                                               

  لا يميز البعض بين السلفية والأصولية وهذا خطأ معرفي ومنهجي، فالسلفية في دعوتها الأصلية كما بيّنا قامت على تطهير المجتمع من البدع والعادات والتقاليد المخالفة للشريعة كزيارة المقابر والإيمان بالأولياء والسحر والتنجيم والتعاويذ والتصوّف الشعبي وتقديس الموتى، وبهذا المعنى لا تبدو السلفية مذهباً شبيهاً بالمذاهب الإسلامية القديمة، بقدر ما تبدو كفرقة حنبلية جديدة، رغم أنها تدعو إلى تجاوز كل المذاهب الإسلامية التي سبقتها والعودة إلى الاجتهاد اعتماداً على الكتاب والسنة فقط.

  في المقابل نشأت الأصولية في بيئة مختلفة، فهي ظهرت في مجتمعات مدنية متقدمة مصر وبلاد المشرق العربي، وفي ظل ظروف وتحديات بالغة التعقيد (سقوط الخلافة، ونكبة فلسطين، والاستعمار الأجنبي) ورداً على هذا الخطر دعوا إلى مقاومة التحديث وتقويض الدولة الوطنية، مؤسسين لخطاب يتحدث عن الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية[6].

  الأصولية في هذا المعنى خطاب اسلامي مؤدلج يقدم منظومة أفكار تنطلق من الحاضر إلى المستقبل، وذلك على خلاف السلفية التي تنظر إلى الحاضر لتخليصه من شوائب وممارسات الماضي، متخذة من سيرة السلف الصالح ومعتقداته وممارساته عقيدة لتطهير الدين من جاهلية الماضي ووثنيته، في حين تعتبر الأصولية أن المجتمع الإسلامي القديم قد زال وحلّ محله التحديث والتخريب والكفر والطاغوت، وعلينا أن نتصدى لذلك كله لإقامة المجتمع الإسلامي الأصيل على أنقاض المجتمع القائم الملوث.

  للسلفية عموماً آليات استدلال خاصة بها، تختلف عن التفكير الأصولي، فهي ترفض القياس والاستحسان والإجماع، الذي أخذت به مذاهب الحنفية والشافعية والمالكية بالخصوص. ويكاد يهيمن “السند” على كل شيء باعتباره فوق كافة الآليات الاستدلالية الفقهية التي يعتمدها الأصوليون، لذلك ترفض السلفية مناهج إصلاحية صار لها شرعيتها ويتحفظون عليها كالمنهج أو المدخل المقاصدي، وهذا ما يُدخل المنهج المعرفي السلفي في قلب مدرسة “الاتباع” وإن كان لا يدفعه بإتجاه “التقليد”، لأنه لا يعتمد على تقليد إمام ولا على مذهب بل هو ضد المذهبية، حيث يلجأ مباشرةً إلى النصوص من الكتاب والسنة، لكنه لا يُعمل فيها آلية “الاجتهاد” وفق أسس محددة شأن المذاهب الأخرى. إذن يقع “الأتباع” هنا في مرتبة بين الاجتهاد والتقليد، حيث يلجأ مباشرة إلى النصوص ويقيس عليها ولا تقاس على ما لديه من نتاجات فقهية ومذهبية أخرى.

  هذه المبادئ العامة، تمثل المرجعية الكبرى لكافة التيارات السلفية المعاصرة، إلا أن بعض الاختلاف بدأ ينشب حول بعض المسائل التي تمثل محركات نظرية وحركية عند بعض الجماعات السلفية المعاصرة، كالسلفية الجهادية، وهي تمحورت على المبدأ الرابع المتعلق بموضوع تكفير الحاكم والخروج على طاعته ومنابذته بالسيف. وعلى خلفية هذا الاختلاف قام السجال السلفي باعتبار الجهاديين أهل فتنة وخوارج، واعتبار الأخوان المسلمين والتيار السروري، الذين قبلوا الاحتكام للقوانين الوضعية والدخول إلى المجالس البرلمانية، والتزموا بفكرة البيعة والتنظيم، بأنهم مسيسون وأن إيمانهم مشوب بالهوى، وأنهم غير مهتمين بالتوحيد باعتباره القضية الأولى في التصور الإسلامي، بينما يقترب نقدهم لجماعة التبليغ والدعوى ذات الأصل الهندي من انتقادهم للمتصوفة من جهة إهمالهم للعلم الشرعي[7]. ويمكن تصنيف التيارات السلفية الجديدة اليوم وفق هذه الاتجاهات، هذا فضلاً عن الاتجاه التقليدي الرسمي الذي هو استمرار بشكل أو بآخر للسياق التاريخي للسلفية الوهابية الذي تمثله المؤسسة الرسمية السعودية:

1- السلفية العلمية أو الألبانية:

  يمكن تصنيفها في سياق التيار السلفي المحافظ والتقليدي الذي اهتم بتحقيق التراث ومحاربة البدع وتصحيح الاعتقادات، وهي المهمة التاريخية التي قامت بها السلفية الوهابية من خلال المؤسسة الرسمية السعودية، إلا أن السلفية الألبانية ومن ثم السلفية المدخلية أو الجامية التي نشأت فيما بعد على نسقها تابعت نفس الاتجاه مع بعض التميزات التي اختص بها مشايخها.

  يقدم هذا التيار نفسه باعتباره دعوة إلى العودة إلى الأصول ومنهج علمي وعملي حمله الصحابة وتميزوا به وحمله التابعون من بعدهم، وهو فضلاً عن ذلك حركة تجديد لا تؤمن بالعمل الجماعي ويقتصر نشاطها على الجانب الدعوي والتعبوي، وتنبذ الحزبية الحركية وتعتبرها ضرباً من الابتداع. إنها تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية وتطبيق الشريعة والوصول إلى الحكم بشكل غير مباشر، بمعنى أنها لا تصطدم مع الأنظمة ولا تنكر شرعية الحاكم الدينية والسياسية على اعتبار أنه ولي الأمر، وتستخدم وسائل دعوية سلمية لنشر مبادئها، وتؤمن أن باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، والذي من خلاله يمكن الإجابة عن كثير من التساؤلات والشبهات والنوازل المعاصرة التي تمر بها الأمة من خلال الفتاوى والاجتهادات. 

  الشيخ ناصر الدين الألباني[8] (1914- 1999 م) مؤسس هذا التيار الذي يحظى بانتشار في أوساط شعبية متزايدة في العالم الاسلامي هو ألباني الأصل هاجر والده من ألبانيا عام 1332هـ واستقر في دمشق، نجح في التعلم والتبحر بعلوم الحديث بعد أن ذاع صيته نظراً لقوة حجته بين أقرانه من الطلبة، وبدأت مسيرته داخل المدن السورية المختلفة لإلقاء المحاضرات والدروس، واشتهرت محاضراته وكتبه في العالم الإسلامي إلى أن طلب منه رئيس الجامعة الإسلامية والمفتي العام للملّة السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ تدريس علوم الحديث والفقه في تلك الجامعة وتمكّن من إدخال تدريس علم الإسناد إلى مناهج الجامعة الإسلامية.

  جلّ اهتمام السلفية الألبانية بالمسائل العلمية المتعلقة بتصحيح عقائد وعبادات الناس وتطهيرها مما علق بها من شوائب وانحرافات، لذلك ركزت على الأصول العلمية وهي:
التوحيد، والإتباع، والتزكية، حيث يقصد بالتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب بالاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه وأفعاله، وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.

2- السلفية الحركية أو السرورية:

  تيار الصحوة الإسلامية أو التيار الصحوي هو تيار وهابيّ العقيدة، إخواني الفكر والتنظيم برز بقوة خلال ثمانينات القرن الماضي ويطلق عليه خصومه التيار السروري، أما تسميته بالسروري فهي نسبة إلى القيادي الأخواني السوري السابق الشيخ محمد سرور زين العابدين بن نايف[9] الذي قدم إلى المملكة العربية السعودية في منتصف ستينات القرن الماضي وعمل أستاذاً في معهد بريدة العلمي لمدة تزيد عن خمس سنوات هاجر بعدها إلى الكويت وانتقل بعد إقامته فيها أربع سنوات إلى لندن التي أسس فيها مركز دراسات السنّة النبوية في مدينة برمنجهام البريطانية وأصدر منها مجلة السنّة النبوية التي لعبت دوراً كبيراً أثناء حرب الخليج الثانية خلال الصراع الذي احتدم بين هذا التيار والسلطات الحاكمة السعودية على خلفية فتوى استقدام القوات الامريكية لحماية المملكة وتحرير الكويت، ويقيم الشيخ سرور حالياً في العاصمة الأردنية عمان.

  الجدل حول وجود هذا التيار الذي بات مصطلحاً على تسميته في الوسط الإعلامي فضلاً عن الوسط الحركي بـ «التيار السروري»، والذي بات يشكل ظاهرة محسوسة في هذا الوسط، يعود بشكل كبير لحالة السرية والكتمان التي فرضها مؤسسوه كجدار حديدي حوله، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام الكثير من الأقاويل والشائعات والأخبار والتكهنات حول هذا التيار طوال فترة التسعينات وحتى اليوم.

  باختصار يمكن القول أن السرورية تميزت كدعوة وحركة جديدة على الجمع بما بين التصورات القطبية – المودودية العقدية حول الحاكمية والجاهلية، وبين الأسس العقدية والفقهية والمنهجية للسلفية الوهابية في التعاطي مع الأصول ومصادر التشريع.

  ينتسب إلى هذا التيار مفكرون ودعاة كبار كالشيخ سفر الحوالي، وناصر العمر، وسلمان العودة، ومحمد العبده، وعائض القرني، ومحسن العواجي، ورغم الاختلافات ببعض الفروع إلا أنهم يشتركون في عددٍ من الأفكار الرئيسية التي تدور حول الحاكمية وتكفير المخالفين والشدة عليهم، وإن توقف بعضهم في مسألة تكفير “المتعيّن”، ومسألة الولاء والبراء التي هي ركنٌ أصيل في منهجهم حيث الولاء في الدين وليست الوطنية عندهم إلا بدعة استعمارية غربية والقومية فكرة شيطانية صدرها الغرب لنا. ولا تتردد السرورية في انتقاد الوهابيين التقليديين وتصفهم بأتباع الإسلام القشري أي الذي يتمسك بالمظاهر دون جواهر الأمور كالحكم والدولة، مع ذلك ليس هناك تطابق بين السرورية والسلفية الجهادية، بل إن العلاقة ملتبسة بينهما إلى أبعد الحدود. قد تكون السرورية شكّلت جسراً فقهياً وحلقة وصلٍ فكرية بين أسامة بن لادن وسيد قطب، فضلاً عن السلفية التقليدية، لذلك لم يكن غريباً أن العديد من قيادات ورموز القاعدة وتيار السلفية الجهادية قد تتلمذوا أو مروا في حضانةٍ فكرية داخل التيار السروري قبل أن يقفزوا باتجاه التيار الجهادي.

  لقد مثلت فترة الثمانينات وحتى بداية التسعينيات فترة ذهبية لما بات يعرف بالصحوة الإسلامية في السعودية وهي الفترة الذهبية التي استفاد منها السروريون كثيراً من خلال استغلالهم للخطاب الفكري والدعوي للعديد من رموز الصحويين في تلك الفترة والذين يأتي في مقدمتهم الشيخ الدكتور سلمان العودة، ورفيق دربه عائض القرني.

  ورغم أن كلاهما لا يلتزمان تنظيمياً بأي تيار بل يمثلان تياراً فكرياً مستقلاً فإنهما يتقاطعان في بعض الرؤى مع هذا التيار ولهم تأثير كبير وخاصة بعد قضائهما ما يقارب الخمس سنوات في السجون السعودية وخصوصاً الشيخ سلمان العودة الذي ظل في السجن من عام 1994 م وحتى 1999 م. أما بالنسبة للشيخ سفر الحوالي فهو لا شكّ أحد أهم رموز التيار السروري في السعودية وتمثل محاضراته وكتاباته رافداً فكرياً وعقدياً لأتباع هذا التيار، ويعد كتابه «ظاهرة الإرجاء في العالم الإسلامي» بمثابة ردّ مبطن على السلفية التقليدية ومرجعاً فكرياً وعقدياً هاماً لدى هذا التيار.

  يعدّ المفكر الإسلامي المصري المقيم في السعودية محمد قطب الأخ غير الشقيق للشهيد سيد قطب كأحد دعائم هذا التيار الحركي الفكرية وتعد كتبه كروافد فكرية رئيسية له.

  ويخوض التيار السروري معركة فكرية شديدة مع عدد من التيارات الإسلامية وفي مقدمتهم الإخوان والسلفية الجامية أو المدخلية والمقبلية -إن صحّ التعبير- وكل هذه التيارات منطوية تحت مسمى السلفية التقليدية، إذ يرى السروريون أن السلفية التقليدية غيّبت وعي الأمة من خلال نشر فكرة الطاعة المطلقة للحكام وتحريم حتى مجرد المعارضة السلمية التي تعد مبدأً ثابتاً من مبادئ أصحاب السنة والجماعة.

  أما الأخوان المسلمون فإنهم -بنظر السروريون- متساهلون في كثير من الأمور التي لا شك في مقدمتها العمل السياسي الحزبي والإيمان بالديمقراطية والكثير من المبادئ الأخرى من قبيل حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وقضية المرأة والقبول بالآخر وهلم جرا من الإشكالات التي تصل إلى مسائل العقيدة والتوحيد. إلا أنه يمكن القول في هذا المجال أن هذا التيار يشهد ديناميكية فكرية ملفتة تنعكس على وحدة أفكاره، لكنها بالإجمال تتجه نحو الانفتاح ومراجعة الأفكار وخاصةً ما يتعلق بالآخر والمواطنة ومسائل المشاركة السياسية وخاصة بعد الثورات العربية. 

3- السلفية الجهادية… لقاء الأصوليين بالسلفيين:                                             

  ولدت السلفية الجهادية على أرض الجهاد الأفغاني ضد السوفيات “الشيوعيين الكفار”، هذا الجهاد الذي أطلق موجات كبرى من الزخم الإسلامي باتجاه أفغانستان، وهناك تحققت أكبر عملية ربط واندماج فكري وسياسي بين اتجاهين معلنةً بذلك ولادة تيار جديد تمثل بالسلفي الوهابي السعودي أسامة بن لادن، والأصولي القطبي المصري أيمن الظواهري وقائد تنظيم الجهاد، وقبله بعبد الله عزام، الإخواني الفلسطيني الذي تأثر به أسامة بن لادن كثيراً وكان له تأثير مميز على كل “الأفغان العرب”، في تحالف يمثل بشكل لافت امتزاج تيارين على “أرض الجهاد” عام 1998، والتي شهدت إعلان الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين وولادة القاعدة حيث أعلنت أن الخطر الداهم على الإسلام ليس الأنظمة القريبة وإنما في التحالف الصهيوني– الأميركي، وأن الفريضة الراهنة هي المواجهة مع أميركا واليهود وحلفائهما وليست المواجهة مع الحكام.

  وقد وصلت السلفية الجهادية في صياغتها الجديدة إثر التفاعل بين التيارين الوهابي والسلفي والقطبي والأخواني إلى معادلة تمثل “مثلث الصراع” النظري المعرفي والعملي الجهادي وهي: كفرانية النظم وجاهلية المجتمع والجهاد سبيلاً للتغيير. ولتأصيل هذا المثلث عمد منظروها إلى توجيه كافة المباحث الكلامية القديمة توجيهاً عملياً من خلال توظيف كافة المرجعيات العقائدية والفقهية لإقامة برهانهم النقلي والعقلي على ذلك وفق آليات التأصيل الإسلامي المعروفة.

  ومن أبرز المنظرين للتيار السلفي الجهادي أيضاً أبو محمد المقدسي[10] (عصام البرقاوي) الذي كان من أبرز تلاميذه في الأردن أحمد فضل نزال الخلايلة المتحدر من قبيلة بني حسن إحدى أكبر القبائل الأردنية، وهو الذي سيعرفه العالم لاحقاً باسم “أبو مصعب الزرقاوي”.

  كذلك لعب عمر محمود عثمان أبو عمر المعروف باسم “أبو قتادة الفلسطيني” دوراً هاماً في الدعوة لهذا التيار. وهو انتسب في بداية حياته إلى جماعة التبليغ والدعوة، ثم نشط في الاتجاه الفكري السلفي في الأردن، وتقرب من الشيخ السلفي الشهير ناصر الدين الالباني، ثم ما لبث أن اختلف معه لتمسكه بالسلفية المدرسية. أسّس بعد ذلك حركة “أهل السنة والجماعة”، سافر بعدها إلى أفغانستان، ثم استقر في بريطانيا لاجئاً عام 1995، وهناك لمع نجمه كمنظر سلفي جهادي وداعية حركي لعدد من الجماعات الإسلامية المقاتلة، وتحول مفتياً ومفكراً لها، ولا سيّما منها تلك التي في شمال افريقيا، كالجماعة الإسلامية في الجزائر وليبيا.

  ما يميز السلفية الجهادية عن غيرها من السلفيات، ليس إعلانها جاهلية المجتمعات المعاصرة كلها، وليس إعلانها كفرانية النظم التي لا تحكم بما أنزل الله، بل إعلانها الصريح أن الجهاد المسلح سبيل أوحد للتغيير. لذلك هي ترفض أي طريق آخر لإقامة نظام الخلافة الإسلامية، كالدخول في البرلمانات أو التربية والتثقيف والثورة الجماهيرية السلمية أو إشاعة الوعي الإسلامي. هذا المنهج القتالي المسلح كما يقرره غالبية رموز هذا التيار “لا حيدة عنه إلى الوسائل السلمية الأخرى لأنه حكم شرعي وقع بالنص والإجماع”.

4- السلفية الجامية… المدخلية: السمع والطاعة.

  ولدت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحديداً، لذلك توصف أحياناً بسلفية المدينة وأحياناً بالسلفية المدخلية وغيرها من الأسماء، كلها تشير لاتجاهٍ سلفي واحد، شهد ولادته على يدي محمد أمان الجامي الذي كان يدرس في تلك الجامعة وحيث كان يقيم هناك عدد من رموزها، استفاد الجامي من صحوة علم الحديث على يدي الشيخين الراحلين الألباني وعبد العزيز بن باز أثناء تدريسهما في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي كان يرأسها الأخير فترة من الزمن. يمكن القول أن الجامية تبلورت في الأساس كرد فعلٍ على صعود السرورية التي مثلت الهجوم النظري والعملي لأدبيات الإسلام السياسي المشرقية على السلفية المهزومة حينئذٍ، والإندماج بها لذلك لم يكن غريباً إن أوج صعود الجامية هو الفترة نفسها التي شهدت صعود السرورية حين رفضت الأخيرة بشدة الإستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، حيث رأت الجامية في هذه المواقف خروجاً عن طاعة ولي الأمر وخروجاً كذلك عن المنهج السلفي. يتسم التيار الجامي في أدبياته بتمسكه بمنهج “الجرح والتعديل”، فهذا التيار يصر على اتهامات الجماعات الأخرى وكشفها أو جرحها دون أعذارٍ لها أو صمتٍ عنها، من هنا تميزت كتابات منظري هذا التيار كربيع المدخلي، ومقبل بن هادي الوادعي، ومحمود الحداد وغيرهم الذين أخرجوا العشرات من المؤلفات في اتهام الجماعات الأخرى، وتعرية رموزها ورفض كتاباتها وأطروحاتها حول التنظيم الحزبي وإقامة دولة الإسلام، فضلاً عن فضح كل ما تراه من شبهٍ عقدية أو قبورية في فكر تلك الجماعات، مع تأكيدها أن هذه الجماعات ما هي إلا دعوات الباطل في مقابل دعوة الحق التي تتماهى معها الجامية، حيث تتحقق الشروط فيها وتضع المعايير التي تتمايز بها عن دعوات أو جماعات الباطل.

- إشكالية المنهج السلفي:

  وبغض النظر عن المراحل التي انتعشت فيها السلفية، فهي تحركت على الدوام ضمن مشهد معرفي رسم أصول التفكير وقواعد السلوك داخل فضائه.

  التاريخ بالنسبة إلى السلفية هو إحالة إلى “أفضل العصور وأولاها بالاقتداء والإتباع” فالماضي هو المنطلق والمرجع،ولا مشكلة في قراءة التاريخ وتمثّل التجارب والخبرات، فالتاريخ هو ذاكرة الشعوب ومستودع خبراتها ووعيها، لكن السلفية لا تكتفي بمجرد الإحالة إلى العصر الذهبي، وإنما تعمد إلى تأسيس منهج يقنن العلاقة بالتاريخ والتراث، مما يحول الأمر إلى استدعاء للتاريخ وقراءته بصورة ايديولوجية تستهدف صياغة الحاضر وفق صورة مثالية مقتطعة من الماضي.

  وهكذا تصبح “القرون الثلاثة الأولى من عمر هذه الأمة عملاً بالحديث النبوي المصنف في الصحاح: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” هؤلاء هم السلف في أفضل العصور، والأصلح للاقتداء بعد الرسول r هم الصحابة، هنا يكمن النموذج المثالي الذي يجب أن يقتدى به وأن يصبغ عليه صورة القداسة، حتى ولو أدّى ذلك إلى “خيانة التاريخ”، فالسلف الصالح اختلفوا وتصارعوا وتساجلوا وتوزعوا في اتجاهات ومواقف متعددة وهم ليسوا كتلة واحدة كما قد توحي عبارة “السلف الصالح”. لذلك يرفض السلفيون الخوض في الملفات التاريخية الشائكة، فخلافات الصحابة لا يصح الخوض فيها، بل يجب الوقوف عند فضائلهم فقط، وهذا يؤدي إلى تنزيه الرجال وتبييض التاريخ، وطمس بعض الوقائع والقفز فوق الأحداث، مما يؤسس لمنهج انتقائي يدعم الصورة المثالية للمرحلة التأسيسية كما يرغب بها هؤلاء وليس كما هي بالفعل، كحالة جدل تاريخي يجب الوعي بها واكتساب الخبرة منها.

  بعد الصحابة يأتي التابعون “الذين غمرهم ضياء النبوة بإتباعهم لأصحاب رسول الله والاهتداء بهديهم والنيل من إشراقاتهم “بعدهم يتقدم تابعو التابعين” إيذاناً بنهاية مرحلة الصفاء الفكري وخلوص الفطرة الإسلامية من الشوائب الدخيلة، حيث بدا في هذا الوقت ظهور البدع ظهوراً فاشياً”. هكذا يؤسس صاحب كتاب أعلام الموقعين لقاعدة منهجية سلفية تقول: “فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب. فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين”[11]. هذه المنهجية تنقل الإحالة إلى التاريخ من إحالة هدفها الاعتبار والفهم إلى تعلق بـ “النموذج” وتقديس لرجالاته، باعتبار المرحلة تلك، هي النموذج المتحقق والمفقود. هذه المنهجية تنظر إلى التاريخ في سيره اتجاهاً انحدارياً، فبعد القرون الثلاثة الأولى المفضلة أخذت مراحل الانحدار تتسارع وتزداد كلما افترق المسلمون شيعاً وأحزاباً مبتعدين عن الإسلام كما فهمه السلف وطبقوه عقيدة وشريعة وأخلاقاً.

  هذه المنهجية السلفية التي ترسم العلاقة بالمرحلة التأسيسية للإسلام هي التي تفسر لنا قوة حضور الماضي في الذهنية المعرفية للحركات الإسلامية المعاصرة، حيث لا تزال الجزئيات تحتل موقع الكليات، والحيثيات تتغلب على الكيفييات وتفرض نفسها على العقل الإسلامي لتزيد من إرباكاته، والمشكلة أنه حين يصبح الطموح نحو الأفضل أسير التاريخ والماضي يذبل الإبداع ويغلب التقليد والإتباع.

  مأزق هذه المنهجية السلفية أنها انتقائية فضلاً عن أنها تاريخية، فبعد الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم، ينتقون الإمام ابن عبد الله أحمد بن حنبل من بين الأئمة الأربعة الذي يعتبر مؤسس هذا التيار ومنظره الأول، ويتابعون مع سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن الذين يحتلون المرجعية الأولية في المنهجية السلفية. ويتواصل الخيط الرابط إلى القرنين السابع والثامن مع المنظر الثاني للسلفية. ابن تيمية بمعية تلميذه ابن قيم الجوزية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب وباقي التيارات التي نهجت على نهجه. ولا جدال في أن هذه الأسماء لها مكانتها وتأثيرها الكبير، إلا أن الانتقائية تحرمنا وتحرمهم من الاطلاع على ما أنتجه رجالات عظماء أسسوا مناهج عديدة للنظر والتدقيق والتحليل لا تقل علماً وجهاداً وتأثيراً، وليس من العدل والإنصاف طمس أو تجاهل جهودهم.

  الآخروالموقف منه يمثل المأزق الثاني وهو نتيجة طبيعية للمنهج الانتقائي، ويؤدي في تداعياته المنطقية إلى بناء منظومة فكرية إقصائية واستبعادية، تتحول السياق الديني إلى نزعة تكفر “الآخر” المخالف، مسلماً كان أم غير مسلم، وهي نزعة تخلق الأساس الموضوعي للعنف الذي عانت منه الأمة في مراحل متعددة.

  يقود هذا المأزق في استلهام التاريخ الانتقائي تجاه الآخر للحفاظ على الهوية إلى الانغلاق على الذات وهو حل شكلي هروبي، ذلك أن الحفاظ على الهوية لا يكمن حقيقة في استرجاع الماضي أو الاتكاء على التراث فقط، بل بتأكيد الفعالية الذاتية وقيم الإبداع والاجتهاد في مواجهة الواقع المتغير أبداً. إن مقولة “العودة” إلى الماضي تحدث في اللاوعي شللاً في الإبداع والاجتهاد، لأنها تؤدي إلى أن الإسلام تحقق كلياً في الماضي، ومهمة المسلمين استعادة ما تحقق وتكراره من جديد.

  النص في المنهج السلفي أيضاً اتخذ منحى التشدد والضبط، ذلك أن العودة إلى النص الشرعي يمكن أن تعتبر في حد ذاتها نقلة نوعية في منهجية التفكير، لأنها تحرر العقل الإسلامي من ثقل النصوص الفقهية، وتؤدي إلى الإقرار بعدم إلزاميتها، بل تزيل عنها وهم القداسة الذي تلبسته، دون أن يعني ذلك إسقاط أهميتها المعرفية. وهو ما عبر عنه الإمام مالك في مقولته الشهيرة “كلكم راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر”.

  تتضمن مسألة العودة إلى النص بعداً تجديدياً لأنها تتيح اكتشاف مخزونات النص القرآني والسنة النبوية، كما تتضمن ثقة بالعقل الإسلامي الاجتهادي، دون وساطة السابقين، بما يؤدي عملياً إلى جدل النص والواقع المعاش من خلال استنباط معاني جديدة له.

  لكن المشكلة أن السلفية تشددت في التعامل مع النص وبالغت في التمسك به إلى درجة التوجس في الرأي وإعمال الفكر، والقول بأن النصوص قد أحاطت بكل صغيرة وكبيرة، وعليه تم توسيع مفهوم النص الشرعي ليشمل الآثار، أي الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، وكذلك فتاوى الصحابة وأقوالهم حتى ولو تعارضت، وكان أحمد بن حنبل يقول “الحديث الضعيف أقوى من الرأي”. بل أن الأمر بلغ إلى الوقوف عن ظواهر النصوص رفضاً للتأويل والقياس وكل صيغ إعمال الفكر أو مناهج تفكيك اللغة[12].

  هذه القراءة تضعنا أمام منهجية نصوصية صارمة تحيل العلاقة بالنص إلى علاقة تلقٍّ وأخذ جامدة أكثر منها علاقة حيوية تتفاعل معه وتغوص في أعماقه باحثة عن دلالاته في ضوء تحديات الواقع المعاش. المنهجية النصوصية تحوّل العودة إلى النص، عودة إلى فهم النص كما فهمه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين (السلف الصالح)، مما يؤدي إلى تقييد النصوص بتفسيرات وتأويلات أجيال القرون السابقة.

  العقيدة عند السلفية اكتسبت أيضاً بعداً مركزياً في المبررات التأسيسية لنشأتها، فهي تقدم نفسها دعوة للدفاع عن نقاوة العقيدة وصفائها، بدءاً بعقيدة التوحيد وكل ما له علاقة بالغيب، وبالرسول اتباعاً واقتداء، وصولاً إلى كيفية التعبد بعيداً عن البدع وكل مظاهر الشرك. وهي بهذا لعبت دوراً تحررياً هاماً من خلال مواجهتها الشرسة لكل مظاهر التخلف والجهل التي سادت في مراحل متطاولة، كعبادة القبور والتبرك بالموتى والاعتقاد في السحر والخوارق والخرافات وتشويه صورة العلاقة بالله وبالرسول، وهي مظاهر لا يزال الكثير منها سائداً حتى اليوم، يسطح الذهن ويقدم أنماط لا عقلانية من السلوك والنظر للعقائد والظواهر الطبيعية والاجتماعية. عملت السلفية على إزالة كل الوسائط التي صنعها الناس واعتمدوها في علاقتهم بالله، وإعادة الدين إلى بساطته وأصوله.

  وصراع السلفية مع الصوفية قديم، وما حصل في المغرب في الحرب التي خاضها عبد الكريم الخطابي، وفي الجزائر مع عبد الحميد بن باديس كشف عن العلاقة القوية التي ربطت مشايخ الصوفية بالاستعمار الفرنسي، وأدى إلى مواجهة شملت المجالين الثقافي والسياسي، مما سحب الشرعية عن عدد كبير من الزوايا والمشايخ المؤثرين في مشاعر أغلبية سكان الأرياف وبعض المدن. لكن المأزق تبلور عندما وقفت السلفية عند حد الدفاعات العقائدية، فما حصل هو نوع من الفرز العقائدي لم يتطور باتجاه إعادة إنتاج علوم متجددة للدين وأصول الفقه والتربية في ضوء حركة الواقع المتغير والمعاش وقوانين الطبيعة والمجتمع.

  وهكذا أصبح التفكير السلفي حبيس الفكر العقائدي الضيق، مما ضخم الحساسية العقدية لبعض السلفيين فجعلهم أسرى لشكليات التدين وقضايا الغيب كالزي واللحية وأسلوب الكلام وحدود العلاقة بالمرأة وكيفية دخول البيوت وطريقة تناول الطعام أو الجلوس…الخ.

  وبدل أن تنتج الحالة السلفية كعملية لتطهير وتبسيط العقائد، حالة تحرر وانطلاق، أنتجت عقلية إقصائية نمت بشكل مطرد، وأدخلت الفرز العقائدي إلى جانب الفرز الحاصل سياسياً واجتماعياً، الأمر الذي أدى إلى تعميق التجزئة، في الوقت الذي رمت المقاصد السلفية إلى التوحيد، فظهرت فرق وطوائف تدعو للمفاصلة والتميز بكل الوسائل لأن النتيجة الطبيعية للفرز العقائدي، أن ينقسم الناس إلى فسطاطين، الكفر والإيمان، ولا منزلة وسطى بينهما.

  السلفيات المعاصرة اليوم تيارات عدة تجمعها منطلقات عقدية وفقهية وتفرقها رؤى واجتهادات وقراءات تتعلق أكثر ما تتعلق بتنزيل الأحكام على الواقع، وهي تعبر عن نفسها بحركات وجمعيات وأطر ناشطة في العالم الاسلامي، ولكل تيار منها شيوخه ورموزه، حتى أصبحت بعض هذه التيارات تنسب إلى هذه الرموز.


* – أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة اللبنانية.

[1] – فهمي جدعان: المحنة، بحث في جدلية الديني والسياسي في الاسلام، عمان دار الشروق، 1989.

[2] – لمزيد من التوسع انظر كتابنا الحركات الاسلامية في لبنان، إشكالية الدين والسياسة في مجتمع متنوع، دار الطليعة، بيروت، ط 2006، ص 263و268.

[3] – ذكرها جميعها الشيخ الامام محمد بن عبد الوهاب واعتمدنا في عرضها على الشيخ عبد العزيز بن باز في كتابه: العقيدة الصحيحة ونواقض الاسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413، ص 27و28و29.

[4] – أنظر شرح العقيدة الطحاوي: تحقيق الشيخ الألباني (منشورات المكتب الإسلامي)، 1984، صفحات متفرقة.

[5] – هاني نسيرة: السلفية في مصر، تحولات ما بعد الثورة، كراسات استراتيجية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 220، السنة الحادية والعشرون، 2011، ص11-12.

[6] – رضوان السيد: جريدة النهار، العدد2139، في 23 أيلول– سبتمبر، 2007.

[7] – هاني نسيرة: المرجع السابق، ص12.

[8]- وهو كبار علماء السلفية المعاصرة وعلماء الحديث النبوي الشريف، تتلمذ على يديه عدد من كبار مشايخ الدعوة السلفية مصر والعالم الاسلامي، وهو سوري من أصل الباني، توفي في مطلع القرن الواحد والعشرين.انظر الرابط الرسمي للشيخ وفيه السيرة الكاملة له http://www.alalbany.net/albany_serah.php

[9] – لمزيد من المعلومات عن شخصية هذا الداعية أنظر:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B3%D8%B1%D9%88%D8%B1

[10] – حول كتبه ومواقفه انظر موقع منبر التوحيد والجهاد  http://www.tawhed.ws/  

[11] ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، ج 4، ص 118.

[12] – صلاح الدين الجورشي: إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات العالم الإسلامي، 1991، ص 214.

 

خارطة الحركات والتنظيمات الإسلامية السنية في لبنان

 

خارطة الحركات والتنظيمات الإسلامية السنية في لبنان

د. عبد الغني عماد

  تقدم دراسة الحركات الإسلامية في لبنان إمكانيات غنية للتحليل نظراً للخصوصية التي تتميز بها البنية السياسية اللبنانية من جهة، والتنوع الطائفي والمذهبي العميق الذي يميز البنية المجتمعية من جهة أخرى.

  فالبيئة التي نشأت فيها هذه الحركات تتألف من مكونات شديدة التنوع على المستوى الطائفي والسياسي، وعلى أساس هذا التنوع ترسّخت قواعد تاريخية ترسي نوع من التوازن الطائفي يجعل من أي اختلال فيه، مدخلاً للفتن والحروب تهدد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

  مع ذلك تميز هذا النظام السياسي الطائفي بمناخ من الحريات السياسية والإعلامية والثقافية لم تنعم به أي من الحركات السياسية في العالم العربي من قبل. هذه الخصائص مجتمعة تجعل من تجربة الأحزاب والحركات الإسلامية في لبنان تجربة نوعية وجديرة بالدراسة والتدقيق (1).

  والواقع أن الساحة السنية في لبنان على المستوى الرسمي ممثلة بدار الفتوى عانت ولسنوات طويلة من ضعف مؤسساتي شديد، فهي على الصعيد القانوني وضمن التركيبة اللبنانية المرجع الناظم لشؤون الطائفة السنية في لبنان وإليها يعود رعاية شؤون الطائفة وتحصين ساحتها وتعزيز مؤسساتها التربوية والصحية والاجتماعية، إلا أن ضعف هذا الدور وتواضعه أتاح المجال للتنظيمات والحركات والجمعيات الخيرية والاجتماعية والدعوية، بل وحتى السياسية، لكي تنشط من خلال المؤسسات التي راحت تبنيها وتنشرها في البلدات والقرى والمدن، والتي قصرت عنها أيضاً الزعامات التقليدية السنية طيلة السنوات التي تبوأت فيها قيادة الشارع السني منذ الاستقلال.

  والواقع أن أكثر الأحزاب الإسلامية التي تعرضت للدراسة الاهتمام من قبل الباحثين كان حزب الله، فقد صدر حوله العديد من الكتب الأبحاث، قام بها لبنانيون وعرب وأجانب. وليس هذا بمستغرب طبعاً، نظراً للدور التاريخي الذي لعبه الحزب في مقاومته للاحتلال الصهيوني منذ أواسط الثمانينات، وصولاً إلى إنجاز التحرير عام 2000، فضلاً عن نجاحه في استقطاب الدعم والتأييد على المستوى الوطني. إلا أن بنية الحزب وانحباسه في البيئة الشيعية والتزامه لإيديولوجيا ولاية الفقيه بمرجعيتها الإيرانية، جعل من إمكانية تحوله إلى حالة إسلامية جامعة، أمراً صعب المنال في المجتمع اللبناني.

  هذا الاهتمام من قبل الباحثين، على اختلاف مشاربهم، بدراسة حزب الله، جاء على حساب دراسة بقية الأحزاب والحركات الإسلامية السنية التي يعود تأسيس بعضها إلى عشرات السنين قبل ولادة حزب الله. ولا يعود هذا الأمر بتقديري إلى إهمال مقصود، وإنما إلى طبيعة الظروف والأدوار التي لعبتها هذه الحركات في مراحل تاريخية مفصلية والتي كان لحزب الله فيها، بلا شك دور بارز. وسوف تركز في هذه الدراسة على الأحزاب والحركات الإسلامية السنية، ليس فقط بهدف تقديم لوحة وصفية تاريخية سريعة لها، بل من خلال ربط مسارات هذه الحركات والأحزاب وتطور حركتها في اتجاه “اللبننة” لقياس مدى انخراطها في الحياة السياسية.

- الجماعة الإسلامية في لبنان:

  وهي كبرى الحركات الإسلامية السنية في لبنان، نشأت في رحم جماعة أخرى هي “جماعة عباد الرحمن” التي أسسها محمد عمر الداعوق، وهو من مواليد بيروت  (1913). وكانت تعتمد في دعوتها على التربية والتوعية والمحاضرات، وكانت تركز على الجانب الأخلاقي والروحي والإيماني.

  انضم فتحي يكن ومجموعة من رفاقه إلى “جماعة عباد الرحمن”، ومن خلالها تعرفوا على مصطفى السباعي الذي كان مراقباً عاماً للإخوان المسلمين في سوريا والذي كان له تأثير متزايد على أفكار الشباب المسلم في كل من بيروت وطرابلس. تعززت العلاقة بين السباعي ويكن الأمر الذي عزز، إن لم يكن قد شجع موضوعياً، على الخروج من الجماعة الأم التي اكتفت بالعمل التربوي والكشفي والخيري (2).

  كان الداعوق يريد لجماعته أن تبقى خيرية، ودعوية وأخلاقية وأن ينأى بها عن إرث الصراع الناصري الأخواني، إلا أن “يكن” ورفاقه آثروا أن يخطوا طريقهم على خطى الأخوان المسلمين. ويمكن القول أن النواة الأولى للجماعة الإسلامية بدأت عملها منذ العام 1957 إلا أن الترخيص الرسمي للجماعة لم يحصل إلا في 18/6/1964 حيث كان كمال جنبلاط وزيراً للداخلية، وذلك بموجب علم وخبر رقم (224). والمؤسسون حسب الترخيص (فتحي يكن– الشيخ فيصل مولوي– زهير العبيدي– إبراهيم المصري). ويمكن القول أن الجماعة الإسلامية في لبنان “هي أول حركة إسلامية سياسية تولد رسمياً” بترخيص من يساري وعلماني عريق كان يشغل منصب وزير الداخلية.

  مثّلت كتابات فتحي يكن مرجعاً هاماً وأساسياً في البناء الفكري للكادرات الأولى للجماعة الإسلامية. إلا أن الدارس لهذه الكتابات سوف يلحظ بسهولة أنها ليست أكثر من تلخيصات سريعة وبسيطة للغاية، لكتابات حسن البنا، وسيد قطب، وأبي الأعلى المودودي.        

  في كتاباته الأولى يرفض “يكن” الديمقراطية، متأثراً بمقولات المودودي وسيد قطب، فيقول أن الديمقراطية تعني “حاكمية الشعب وسيادته في الدولة” مما يعني “أن الشعب يحكم نفسه بنفسه” وهذا ما يرفضه مؤكداً “أنه على الحركة الإسلامية أن تدرك أن مهمتها الأساسية هي إخضاع المجتمع الإنساني لحاكمية الله، وهو يحذر الحركات الإسلامية من القيام بأي عمل من شأنه إطالة حياة الأنظمة الكافرة كالمشاركة في الحكومات والبرلمانات ويقول أن قبضة الحركات الإسلامية ينبغي أن تكون موجهة دائماً إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة… وحذار من خطوة تكون مبرراً لبقائها لا عاملاً في زوالها وفنائها” ويضيف رافضاً ما يسمى المرونة والانفتاح بدعوى تحقيق مصلحة المسلمين كالاشتراك في الحكم في ظل “أنظمة وضعية كافرة… أو طرح قضايا جانبية وجزئية وإفراغ الجهد فيها… أو أي عمل لا يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية إلى الإسلام”. وهو يعتبر تشبيه الشورى بالديمقراطية انحداراً بالفكر الإسلامي وانحرافاً عن حقيقة معنى الشورى في النظام الإسلامي (3).

  نلمس بوضوح الصياغة المودودية والقطبية في طروحاته هذه التي تنتمي إلى السبعينات، إلا أن المعطيات والمتغيرات الحادثة في التسعينات دفعت الجماعة إلى تبني “فقه الضرورة” أو “المرحلة” حسب لغتهم السياسية، وهو ما تجسد في إقرارهم المشاركة بالحياة السياسية والانتخابات النيابية عام 1992، دون تقديم مراجعة نقدية صريحة وعلنية للطروحات السابقة. وعلى الرغم من أن الجماعة سبق وشاركت في الانتخابات النيابية عام 1972  في طرابلس عبر مرشحها “محمد علي الضناوي” الذي حقق نتائج لم تعكس حضوراً قوياً للجماعة، إلا أن مشاركتها في الانتخابات الأولى بعد الطائف كانت تحتاج إلى تبرير في مواجهة خصوم إسلاميين من تشكيلات صغيرة أخذت عليهم “المشاركة في نظام الكفر والجاهلية”.

  أصدرت الجماعة الإسلامية لائحتها الدفاعية تبرر فيها شرعياً هذا التحول وذلك في وثيقة حملت عنوان “المبررات الشرعية لخوض المعركة الانتخابية” (4) صادرة عن المجلس العلمي في الجماعة الإسلامية بتاريخ 9 آب 1992. وهذه الوثيقة تناقش وتفند الحجج التي يستند إليها الرافضون والمانعون من المشاركة في المجالس النيابية. يستعرض البيان ستة أدلّة شرعية لهؤلاء ويرد عليها تفصيلاً، وهي أدلة يغلب عليها المنطق الديني أكثر من السياسي. فبعد استعراض الآيات القرآنية التي يستند إليها الرافضون، ومنها (الآيات في “سورة النساء” (140)، و”الأنعام” (68)، و”هود” (113)، و”الإسراء” (73))، والعودة إلى كتب التفسير المعتبرة، تخلص الجماعة إلى إبطال الدليل القرآني الذي اعتمده الرافضون، بل تستخرج تفسيراً من نفس الآيات يبيح ويسمح بالمشاركة.

  تتابع الجماعة الإسلامية مطالعتها الدفاعية بتقريرها أن الطريق النيابي “هو الطريق المتاح لتغيير الأنظمة الجاهلية بنظام إسلامي يرضي الله… وصحيح أن الأنظمة الجاهلية قادرة على إحباط أي محاولة لإقامة الحكم الإسلامي عن طريق المجالس النيابية، كما حدث في الجزائر، ولكن الصحيح أيضاً أنه قد لا يكون أمام المسلمين إلا هذا الطريق. أما بالنسبة للقوانين المتعارضة مع الشريعة الإسلامية والتي قد تصدر عن مجلس النواب فلا يتحمل مسؤوليتها كل أعضاء المجلس، فيكفي شرعاً أن يعارض النائب الإسلامي وينكر صدور هذا القانون ويبرئ ذمته أمام الله والناس. ويخلص البيان إلى اعتبار الدخول في المجالس النيابية يترتب عليه تحقيق مصالح كلية رئيسية ودرء مفاسد كثيرة، بحيث أن الأصل في الأشياء الإباحة، وحيث أنه لم يرد صراحة ما يحرم الدخول إلى “هذه المجالس النيابية أو ما يشبهها من المؤسسات الجاهلية والمنحرفة طالما أن المسلم يقوم بواجبه ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويعلن موقفه الشرعي من كل مسألة”. إلا أن المهم في هذه المطالعة ورود فقرة من أسطر قليلة تتحدث عن “صعوبة إقامة الحكم الإسلامي الكامل في بلد متعدد الأديان والمذاهب” كلبنان. نحن إذاً أمام صعوبة وليس استحالة، مما يفرض على المسلمين “جلب المصالح الممكنة ودرء المفاسد القائمة حتى يأتي الله بأمره ويأذن ببزوغ فجر الإسلام من جديد”.

- على ضوء هذه الاعتبارات اشتركت الجماعة الإسلامية في الانتخابات النيابية الأولى عام 1992 بعد اتفاق الطائف، وأعلن بيان رسمي صادر عن الأمين العام فتحي يكن ترشيحه هو عن طرابلس وترشيح سبعة مرشحين آخرين في مختلف المحافظات اللبنانية فاز منهم ثلاثة هم (فتحي يكن، أسعد هرموش، وزهير العبيدي). في العام 1996 تقلصت كتلة الجماعة إلى نائب واحد انتخب عن عكار هو “خالد ضاهر” بعدما فشل الأمين العام الجديد “فيصل المولوي” في الحصول على المقعد الذي كان يشغله سلفه فتحي يكن، وفشل أيضاً أسعد هرموش في تجديد نيابته، رغم مشاركتهم جميعاً في لائحة قوية. وفي دورة الـ2000 لم تستطع الجماعة الإسلامية الوصول إلى المجلس النيابي بأي من مرشحيها وسجلت تراجعاً ملحوظاً على رغم الحلف الانتخابي القوي الذي دخلوا فيه، وظهرت خلافات بين بعض قياداتها على الترشح في الشمال، والأمر نفسه تكرر في العام 2005.

- تركزت القاعدة الشعبية والتنظيمية للجماعة الإسلامية في طرابلس والضنية ثم في صيدا وإلى حدّ ما في بيروت، مع بعض التواجد المحدود في الإقليم في الشوف، والعرقوب، والبقاع الغربي، أي في المناطق ذات الكثافة السنية وهو الأمر الذي يبرز من خلال الدور الذي لعبته الجماعة في الانتخابات البلدية والاختيارية عام 1998. وحققت نتائج فيها في بعض البلدات والقرى.

  كشفت الانتخابات البلدية والاختيارية القدرات التنظيمية المتواضعة للجماعة الإسلامية مقارنة بقدرات حزب الله في المناطق ذات الكثافة الشيعية، فالجهاز التنظيمي للجماعة لم يستطع خوض الانتخابات في كل البلدات والقرى ذات الكثافة السنية، وخاصة في عكار، والبقاع، والإقليم، والعرقوب. إلا أن الانتخابات النيابية التي حدثت بعدها بسنتين كشفت عن واقع أخطر، فقد أظهرت شرخاً فعلياً في جسمها التنظيمي حيث برزت الطموحات الشخصية للوصول إلى الندوة النيابية، الأمر الذي أحدث إرباكاً فعلياً على كل المستويات وخلخل وحدة الجماعة التي تعتمد على قاعدة شرعية تقول “طالب الولاية لا يولّى”، مما أدّى إلى خسارتها كل المقاعد النيابية التي كانت تشغلها. تركت الانتخابات النيابية والمشاركة فيها آثاراً سلبية على بنية الجماعة الإسلامية وصدّعت وحدتها التنظيمية وأظهرت تناقضات سياسية وشخصية كامنة، أبرزها تمثّل بخروج فتحي يكن من الأمانة العامة للجماعة عام 1998 بما يشبه المحاكمة والمحاسبة لكل المرحلة السابقة، عبّر عنها بعض القيادات علناً، ومنها ما كتبه المهندس “عبد الله بابتي” على صفحات جريدة الإنشاء الطرابلسية، متهماً “يكن” بأنه يعتمد أسلوباً فيه الكثير من وضع اليد على المؤسسة طيلة ما يقرب من خمسة عقود، و”بالاستئثار الشخصي لأول مشروع تربوي وتحويله لمصلحته تحت مقولة خدمة المسلمين… مضيفاً بعض الاتهامات الشخصية كالاستفادة الشخصية من أموال التنظيم، وبأنه كان يتفرج من الخارج حين كان غيره يخوض غمار الحروب. استتبع هذا الرد ردوداً أعنف من قيادات أخرى استهجنت تحول الحوار إلى نوع من التجريح الشخصي وهو الأمر الذي كان يعكس عمق التناقضات والخلافات (5).

  تبيّن هذه السجالات التي لم تخلُ من تبادل الاتهامات الشخصية والتي تجرح بالذمم المالية، أن الجماعة ما نجحت في بناء مؤسسة شفافة تتمّ فيها محاسبة داخلية صارمة رغم أنها استطاعت أن تغلب في النهاية مصلحة المؤسسة التنظيمية على مصلحة المؤسس الذي خرج ليؤسس ما عرف بجبهة العمل الإسلامي متحالفاً مع حزب الله… ومع ذلك ورغم الخلافات الداخلية العابرة تبقى الجماعة الإسلامية التنظيم الإسلامي السني الأبرز بين الحركات الإسلامية والتي تتمتع بثقل واضح في الضنية، وطرابلس، وصيدا، وإقليم الخروب، وهذا الثقل يبرز بل ويرتبط إلى حدّ بعيد بالمؤسسات التربوية (شبكة المدارس) والثقافية والرياضية والصحية التي أنشأتها وأتاحت لها الاستمرار في النسيج الاجتماعي اللبناني، وهي تنتظم عملياً تحت إطار جمعية التربية الإسلامية التي تضم عدداً من الفعاليات والشخصيات الإسلامية والاقتصادية المستقلة والصديقة، فضلاً عن الملتزمة بالجماعة وخطّها والتي استطاعت أن تنشئ شبكة مدارس الإيمان المنتشرة في مختلف المحافظات اللبنانية وأهمها: مجمع مدارس أبي سمراء في طرابلس، ومعهد الإيمان للعلوم التطبيقية في طرابلس، ومدارس سير والسفيرة في الضنية في شمال لبنان، وببنين وقبة بشمرا في عكار، وبرجا في إقليم الخروب في جبل لبنان، وصيدا في الجنوب اللبناني، وأكثر من مدرسة في البقاع الغربي فضلاً عن مؤسسات لرياض الأطفال وأخرى طبية كالمستوصفات التي تنتشر في مختلف مناطق تواجد الجماعة والتي تقدم الدواء والمساعدة الطبية ومؤخراً تهيئ الجماعة لافتتاح مستشفى الشفاء في طرابلس والتي تستوعب أكثر من مائتي سرير، وهو المؤسسة الصحية الأولى للجماعة بهذا الحجم (6).

  وعلى المستوى المؤسساتي أيضاً تلجأ الجماعة إلى الاهتمام بالجمعيات الخيرية ولجان المساجد، فساهمت بإنشاء العديد منها، كذلك أنشأت فروعاً عديدة لمؤسسات رياضية ومنها نادي اللواء الرياضي، واهتمت أيضاً بتأسيس فرق الإنشاد الديني فأنشأت عدداً منها في مختلف المناطق، فضلاً عن الجمعيات النسائية والأنشطة الحرفية الملازمة. يبقى الاهتمام بالجانب الطلابي من خلال رابطة الطلاب المسلمين يحتل الأولوية في الجماعة فضلاً عن النشاط الكشفي والمخيمات الصيفية التي ترفد الجسم التنظيمي للجماعة بالطاقات الشابة، وتحاول أن تستفيد من ذلك الكمّ الضخم من الطلاب الذين يتخرجون من مدارس الإيمان.

  تبقى نقطة الضعف الأساسية في الجماعة الإسلامية هي المؤسسات الإعلامية والسياسية، فالجماعة ليس لديها مواكبة سياسية قوية للحدث السياسي ولا تملك وسائل إعلامية لها حضور مؤثر وفاعل في الساحة الإعلامية وهي تكتفي بمجلة “الأمان” الأسبوعية التي تصدر في بيروت.

  جبهة العمل الإسلامي تأسست في آب/ أغسطس 2006 بعد خروج فتحي يكن رسمياً من بين صفوف الجماعة الإسلامية دون أن ينجح بإحداث أي انقسام فيها. والخلافات بين “يكن” وقيادة الجماعة خلافات مزمنة وتاريخية، إلا أنها وبعد نجاحه بالحصول على مقعد نيابي عام 1992 وفشله في التجديد لهذا المقعد واختياره لنهج مخالف للنهج الوسطي الذي اختارته الجماعة في التعامل مع تيار الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عمّق الخلاف بينهما وسرّع إجراءات الطلاق، خاصة وأن الإصطفافات السياسية كانت آخذة في التركّز بشكل لم يشهده لبنان من قبل.

  تبنّت جبهة العمل الإسلامي التحالف مع معسكر حزب الله والمحور الإيراني السوري وجماعة 8 آذار في لبنان وحاولت أن تمثل الثغرة “السنية” لذلك الحلف، إلا أن المعطيات على الأرض لم تمكنها من تحقيق ذلك الطموح.

  فقد عانت جبهة العمل من انشقاقات بدورها ما إن انكشف دورها، فقد خرجت مجموعات وعقدت مؤتمرات صحفية في طرابلس وأهمها الذي قاده سيف الدين الحسامي معلناً جناح الطوارئ في جبهة العمل الإسلامي ثم انسحبت مجموعات أخرى بقيادة محمد رفاعية، بعد أن تحدثت عن التحريض المذهبي والتسليح الإيراني للجبهة ومحاولات اختراق طرابلس وغيرها من المناطق السنية (7). وبغض النظر عن ذلك، فإن أساس تشكيل جبهة العمل أساس ائتلافي وليس أساس تنظيمي، فهي تكونت من حركة التوحيد بجناحيها مجموعة (بلال شعبان)، ومجموعة (هاشم منقارة) فضلاً عن مجموعات إسلامية أخرى على غرار إسلام بلا حدود وجمعية الإمام علي ومنتدى الجمعيات الإسلامية في لبنان وبعض الفعاليات الوجوه الإسلامية المحلية، وهي جميعها تتكئ على شخصية يكن وعلاقاته وخبرته التنظيمية والسياسية.

  حركة التوحيد الإسلامي تأسّست عام 1982 كحالة ائتلافيّة أكثر منها تنظيميّة بين عدد من التشكيلات الإسلاميّة المحلية الصغيرة في طرابلس شمالي لبنان (جند الله، وحركة لبنان العربي، والمقاومة الشعبيّة، ولجان الأحياء والمساجد) وبعض القيادات المستقلّة والتي اختارت الشيخ سعيد شعبان، وهو أحد الشخصيات الإسلامية الطرابلسية المعروفة، أميراً لها، وهي على الرغم من أنها ولدت كمشروع لتوحيد الحركات الإسلاميّة، إلا أنها بقيت فقيرة على صعيد الطرح النظري وغلب على تركيبتها البعد الكمي والتجميعي، ثم الأمني والعسكري.

  إلا أن شعاراتها على الصعيد الفكري لم تتميز بالعمق، ولم تتبنى الحركة أية أطروحة فكرية تميزها عن غيرها من الحركات، وهي عموماً لم تخرج عن دائرة كتابات سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي ذات الطابع التغييري والجذري. وقد انكفأت الحركة بعد هيمنتها عسكرياً على المدينة عام 1985-1986، إثر دخول الجيش السوري إلى مدينة طرابلس  بعد صدامات دامية وحصار استمر أكثر من شهر، كان من نتائجه تصفية وهجرة معظم كوادر الحركة وأنصارها، اقتصر نشاطها بعد ذلك على المجال الإعلامي، بعد مصالحة الشيخ شعبان في مع النظام السوري برعاية إيرانية استمرت تحيط بالحركة ولا تزال. و بعد وفاة الشيخ شعبان في حزيران/1998 انقسمت الحركة الى جناحين الأول باسم مجلس الأمناء والثاني باسم مجلس القيادة، لأسباب تنظيمية وتمويلية أكثر منها عقائديّة. دعمت الحركة مرشحي الجماعة الإسلاميّة في الانتخابات النيابيّة عام 1992 و 1996، و شاركت عبر بعض أصدقائها في الانتخابات البلديّة ضمن إطار اللائحة الإسلاميّة في طرابلس، إلا أن فعالية الحركة على الصعيد الشعبي أصبحت متواضعة إلى أبعد الحدود، خاصة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والتحاق الحركة بجماعة 8 آذار وما يعرف بالحلف السوري الإيراني في لبنان، وبما يعاكس المزاج السني العام في طرابلس حيث لا وجود جدي لهذه الحركة خارجها (8).

  لحركة التوحيد إذاعة محلية تغطي مدينة طرابلس أغلقت عام 1996 ليعاد افتتاحها بعد سنوات، ولديها ثلاث مدارس باسم مدارس الرسالة أهمها مجمع الرسالة في منطقة القبة في طرابلس، وعلاقة هذه المدارس بالحركة أصبحت واهية للغاية بعد وفاة الشيخ، فقد دخلت أيضاً في إطار تقاسم التركة العائلي…وليس للحركة أي نشاط أو مؤسسات فاعلة خارج طرابلس.

  الحركات السلفية هم تيّار أكثر منهم تنظيم، يعملون تحت اسم جمعيّات تموّلها هيئات إسلاميّة خليجية وعربية معنيّة بنشر الفكر الوهّابي. مؤسس التيار السلفي في لبنان الشيخ سالم الشهال، وهو من مدينة طرابلس شمالي لبنان، من خلال حركة سماها “جماعة المسلمون”، قامت على اعتناق منهج السلف الصالح، ولكن هذه الحركة لم يكتب لها النجاح خلال الستينات، حتى العام 1976 حين أنشأ الشيخ سالم تنظيماً عسكرياً أسماه “نواة الجيش الإسلامي” الذي كان دوره محدوداً جداً خلال ما عرف بحرب السنتين (1975-1976). انتعش التياّر الوهّابي والسلفي عموماً في الثمانينات في إطار انتعاش التيار السلفي بشكل عام في العالم الإسلامي، ففي طرابلس أسس الشيخ داعي الشهّال ابن الشيخ سالم جمعيّة الإحسان التي أقامت مؤسّسات تعليميّة عدّة، وقد تم حلّها رسميّاً بعد أحداث الضنيّة عام 2000 والتي تورطت فيها بعض المجموعات السلفية باشتباكات مسلحة مع الجيش اللبناني جرت بعدها ملاحقات واعتقالات واسعة طالت بعض الأبرياء من السلفيين، ولوحق من بينهم نجل الشيخ سالم الشيخ داعي، وحلتّ جمعيته ومؤسساته، ونشأت ما عرف حينها باسم قضية معتقلي الضنية والتي ما حلتّ إلا بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005.

  تجدر الإشارة إلى أن التيار السلفي الجهادي يختلف فكرياً وبنيوياً عن التيار الإصلاحي والدعوي، هذا التيّار يمثّل منهج عبادة على الطريقة الوهّابيّة السائدة في السعوديّة، ولم يكن له شكل تنظيمي محدّد، فقسم منه شارك في “الجهاد” الإسلامي في أفغانستان ضد السوفيات، وهناك حصل تفاعل بين هذا التيّار والتيّار القطبي، نشأ عنه ما يعرف اليوم بالمدرسة السلفيّة الجهادية، والتي وجدت بعض الأنصار لها ضمن التياّر السلفي العام في لبنان. وهذه المدرسة عموماً لا تقبل الطروحات الديمقراطيّة ولا تشارك في مؤسّساتها. إلا أن قسماً آخر في هذا التيّار وجد من المناسب الدخول في الاشتراك في الانتخابات، تأثراً بالاتجاه الذي اختارته الجماعة الإسلاميّة. فترشّح من هذا التيّار حسن الشهّال عام 1992 في طرابلس و داعي الإسلام الشهّال عام 1996 و حصلا على نتائج متواضعة، و شاركت هذه المجموعات أيضاً في “اللائحة الإسلاميّة” للانتخابات البلديّة في طرابلس. إلا أنه من الواضح أن التيّار الوهابي السلفي عموماً لم يحسم بشكل واضح خياراته تجاه المسألة الديمقراطيّة ككل، فهو في بعض أجنحته يتعامل مع الانتخابات كموسم لطرح الشعارات لا كخيار مبدئي للعمل السياسي فضلاً عن أنه لم يقدم خطاباً سياسياً لبنانياً واضحاً حتى الآن.

  والواقع أن الشيخ سالم الشهال، الأب المؤسس للتيار السلفي في لبنان، لم يستطع الحفاظ على تجمع سلفي موحد، بل سرعان ما أخذت المجموعات السلفية تغادر جماعته، أو تتأسس بعيداً عن مرجعيته، لتؤسس لنفسها مدارس ومعاهد وأوقاف، وخصوصاً بعدما بدأت ملاحقة رأس هذا التيار عام 2000 نجل الشيخ سالم (الشيخ داعي الإسلام) وإغلاق مدارسه بسبب ما كان يدرسه المعهد التابع له من فكر اعتبر بنظر البعض تكفيرياً لعدد من الفرق والمذاهب الإسلامية، وبدأت الاشتباكات التي حدثت في الضنية بين الجيش اللبناني وبعض المجموعات ممن نسبوا أنفسهم إلى التيار السلفي الجهادي حينذاك بقيادة أبي عائشة.

  وقد بذلت جهوداً عديدة لجمع وتوحيد الجمعيات والمعاهد السلفية لكنها لم تؤدِ لنتائج كبيرة، وأبرز الجمعيات والهيئات السلفية في لبنان هي:

- جمعية الدعوة والعدل والإيمان برئاسة الدكتور حسن الشهال.

- جمعية الهداية والإحسان برئاسة داعي الإسلام الشهال، وتشرف على عدد من المؤسسات.

- معهد طرابلس للعلوم الشرعية برئاسة الشيخ فواز ازمرلي (وقف الأبرار).

- معهد البخاري في عكار الشيخ بلال حدارة.

- مركز حمزة للولاء بإشراف الشيخ زكريا الحصري.

- مركز السنة ووقف التراث السني ويديره الشيخ صفوان الزعبي وله تنسيق مباشر مع الحركة السلفية في الكويت.

- جمعية الإستجابة الخيرية في صيدا وفروعها في الجنوب ويشرف عليها الشيخ نديم حجازي وتتبع لهذه الجمعية مراكز تحفيظ ومدرسة ومساجد مع رعاية للأيتام وفرع للدفاع المدني.

- مركز وجمعية السراج المنير (بيروت ).

- وقف التراث الإسلامي (طرابلس).

- وقف النور الخيري (شبعا العرقوب).

- وقف البر والخير (الضنية).

- المركز الإسلامي ومسجد عبد الرحمن بن عوف (البقاع، مجدل عنجر).

- جمعية الإرشاد ومدرسة الإبداع (عكار).

- وقف إحياء السنة النبوية (الضنية).

- جمعية الأخوة للإنماء والتربية (الشمال).

- دار الحديث للعلوم الشرعية (طرابلس).

- وقف إعانة الفقير (طرابلس).

- تجمع سنابل الخير (عكار).

- وقف الخير الإسلامي ومسجد ومركز الأقصى (الضنية).

- الوقف الإسلامي السني الخيري (زغرتا).

- وقف الفرقان للبحث العلمي (طرابلس).

- وقف الأحياء في الإسلام (طرابلس).

- وقف البلاغ الإسلامي (طرابلس).

  وقد اجتمعت هذه المؤسسات ووقعت بياناً بإسم المؤسسات السلفية في لبنان (9) نددت فيه بإساءة الصحف الأوروبية إلى النبي محمد r وبأعمال الشغب في تظاهرة الأشرفية في بيروت، حيث طالت أعمال الشغب بعض ممتلكات السكان المسحيين في تلك المنطقة، وقد أكّد المجتمعون أن السلفية ليست حزباً وإنما هي مدرسة علمية رصينة، تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة ضمن الفهم الصحيح لمنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وسائر الأئمة والأعلام… حيث أكدوا أن منهج الدعوة السلفية من أبعد المناهج عن أثارة الفتن وتهييج العامة.

  من الواضح أن الخط الغالب على السلفيين اللبنانيين هو الخط الإصلاحي الدعوي الخيري، وهم في الغالب ينحون باتجاه مؤسساتي تربوي، وتميزوا بصيغة “الوقف” حيث يكفي تسجيل أحد العقارات بصيغة الوقف الخيري في المحكمة الشرعية لتصبح الجمعية المالكة لهذا العقار  تابعة للأوقاف الإسلامية ولها الحق بمزاولة نشاطاتها بموجب شروط الوقف بعيداً عن رقابة وزارة الداخلية اللبنانية ولوائحها أو شروطها.

  ومن الجمعيات السلفية الناشطة اليوم مركز السنة ووقف التراث الإسلامي الذي يديره ويشرف عليه الشيخ صفوان الزعبي والذي يقيم علاقة قوية مع السلفيين الكويتيين، وهو ونجح في إقامة سلسلة من المؤسسات التربوية والطبية والإسلامية في سنوات قليلة ومنها مدارس في حلبا ووادي خالد في عكار، وعاصون في الضنية في شمالي لبنان، ومدرسة الأخوة اللبنانية الكويتية في أبي سمراء ومركز طرابلس الطبي للتحاليل المخبرية، وعيادة للأسنان وعيادة طبية تخصصية، فضلاً عن جامعة الفيحاء ومجموعة من المساجد في مختلف قرى وبلدات الشمال، إضافة إلى المركز الضخم بإسم مركز السنة الإسلامي في مدينة طرابلس فضلاً عن العشرات من الكتب والمطبوعات المجانية الدعوية والمحاضرات والدورات التثقيفية التي ينظمها علماء المركز في مختلف المناطق (10).

  ينتقد الشيخ صفوان الزعبي الذي يعتبر من الوجوه السلفية المعتدلة، تصرفات حزب الله ومسلحيه في بيروت أثر حوادث 7 أيار 2008 الأخيرة ضد سكان بيروت السنة العزّل ويعتبر أن مشروع قيام الدولة ضروري للجميع وإلا فعلى الشباب السني أن يأخذ عبرة مما حصل في بيروت، وبالتي فإن حقّ الدفاع عن النفس مشروع (11).

  في المقابل يعتبر الشيخ داعي الإسلام الشهال نجل الشيخ سالم، الأكثر راديكالية في التيار الإصلاحي الدعوي والأكثر حراكاً ونشاطاً، والأكثر إثارة للجدل في الأوساط الإعلامية، والذي تعرّضت جمعيته عام 1995 إلى الحلّ بقرار من مجلس الوزراء سبب نشرها بعض الكتب التي اعتبرت حينها معرضة على الفتنة المذهبية، ثم تعرضت الجمعية والشيخ نفسه للملاحقة عام 2000 أثر حوادث الضنية في شمال لبنان إلى الملاحقة، إلى أن تمّ تسوية الأمور واستعاد الترخيص بعد الانسحاب السوري من لبنان، يشرف الشيخ الداعي على جمعية ومعهد الهداية والإحسان الإسلامي في طرابلس، وهو يضم مدرسة متوسطة وثانوية شرعية لتخريج الدعاة والداعيات والراغبين بطلب العلم على منهج السلف الصالح، ويملك المركز إذاعة الكلام الطيب، (صوت الهداية والإحسان) وهي تغطي بإرسالها شمال لبنان والساحل السوري، افتتحت عام 1992 ثم أغلقت عام 1997 مع مختلف مؤسسات الجمعيات ثم أعيدت في آذار 2006، يصدر المركز نشر دورية بعنوان (دين ودنيا) وأخرى بعنوان (معالم الهداية)، ويمارس نشاطه الطلابي من خلال (نادي التوعية الطلابي) والأنشطة الدعوية من خلال لجان المساجد في الأحياء والقرى البلدات (12).

  السلفيون الإصلاحيون عموماً في لبنان يرفضون انتهاج العنف ويعملون ضمن إطار القوانين، ولكن بما لا يتعارض وأصول الشريعة الإسلامية وفق قناعاتهم، هم طاقة إسلامية ناهضة لكنها غير مسيسة وغير موحدة، يغلب عليها صيغة التيار أكثر من كونها تنظيم، وهي في غالبيتهم في ظل الإصطفاف القائم في لبنان أقرب إلى تيار المستقبل وتحالفاته منهم إلى حزب الله، رغم كونهم معادون للسياسة الأميركية في المنطقة وخاصة في العراق، حيث يرون أن هناك تواطؤاً إيرانياً أميركياً يجري لتقاسم تلك البلاد، وفي هذا الإطار ينظرون بحذر بالغ إلى الحلف الإيراني السوري ممثلاً بحزب الله في لبنان.

  حزب التحرير الإسلامي أسّسه الشيخ تقي الدين النبهاني في الأردن في بداية الخمسينات، ويغلب على عمله أسلوب التثقيف والتوعية في العمل الإسلامي تمهيداً لبناء جيل تغييري يقيم “الخلافة” التي جعلوها هدفهم الأسمى والوحيد “بغض النظر عمّا إذا وافق جمهور الشعب أم خالفه…وقبل به الناس أم رفضوه وقاوموه، فهو هدف لا يتملّق الشعب ولا يداهنه، ولا يداجي أهل الحل والعقد ولا يجاملهم ولا يعبأ بعادات الناس وتقاليدهم، ولا يحسب لقبول الناس أي حساب…”(13) يعتمد الحزب إستراتيجية مستوحاة من سيرة النبي r، حيث يعتبرون أنفسهم في المرحلة المكية، والتي اقتصر فيها الأمر على الدعوة فقط، ويوضح أحد قياداته: “نحن حزب مبدئي يقوم على نشر مبادئه في الأمة ولا يلجأ إلى العمل العسكري إلا في النقطة الأخيرة حين يقفز لاستلام السلطة ولا يصح أن يستعين بالمادة على الفكر ولا بالسلاح حين ينشر أفكاره، وإلا يصبح الأمر فرض سلطة أو سطوة وليس نشر مبدأ وإيمان، فلا دخل للحزب بما يجري من أعمال عسكرية على الساحة إطلاقاً”. يؤمن حزب التحرير بالصراع الفكري ضد الكفر وأنظمته ويهدف إلى تغيير الأفكار غير الإسلامية وتحويلها إلى أفكار إسلامية عن طريق إقامة الخلافة ووضع أحكام الإسلام موضع التطبيق، وتحويل البلاد الإسلامية إلى “دار إسلام” وهو في عمله هذا “لا يتملق الحكام ولا يجاملهم ولا يظهر الولاء لهم ولا لدساتيرهم وقوانينهم بحجة أن ذلك يساعد على حماية الدعوة، ولا يجوز أن يتوصل بالحرام إلى الواجب، ويعتبر الأنظمة التي يطبقونها هي أنظمة كفر… كما يعتبرهم ظلمة وفسقة لأنهم يحكمون بأحكام الكفر… كما أنه لا يشاركهم في الحكم لأنها مشاركة في حكم الكفر، ومحرم ذلك على المسلمين، كما لا يقبل أن يعاونهم لإيجاد إصلاح اقتصادي أو تعليمي أو اجتماعي أو خلقي، لأن هذه المساعدة إعانة للظالمين وتثبيت لهم، وإطالة لعمر أنظمتهم الفاسدة والكافرة، بل يعمل الحزب على قلعهم وقلع أنظمتهم…”وهم في سبيل ذلك يرفضون استعمال القوة المادية وإشهار السلاح في وجه الحاكم إذا ارتكب المنكر، فإن الشارع قد نهى عنه إلا في حالة واحدة، وهي حالة إذا أظهر الحاكم الكفر البواح، أي إذا حكم بأحكام الكفر، أو إذا سكت عن طغيان الكفر في البلاد، فإنه في هذه الحالة يجب قتاله وإشهار السلاح في وجهه ومنازعته الحكم” غير أنهم يشترطون لذلك “إذا كان هناك استطاعة على إزالة الحاكم ولو بغلبة الظن، لأن مناط أحاديث استعمال اليد لإزالة المنكر ووجوب إشهار السيف على الحاكم منوط بالاستطاعة” والتي إن لم تتوفر يجب الإعداد لها واستنصار أصحاب القوة والمنعة بشرط أن يكون هذا في دار الإسلام حيث أحكام الإسلام هي المطبقة، أما في دار الكفر فإزالة الحاكم واجبة عن طريق النصرة إتباعاً للسيرة النبوية (14).

  يقوم الحزب على هيكلية من ثلاثة أجهزة، الأولى هي لجنة القيادة، وليس لها مكان تستقر فيه، الثانية هي لجنة الولاية، ففي كل قطر ينتخب الأعضاء من خمسة إلى ثمانية ممثلين ليكونوا هذه اللجنة وهي مرتبطة ارتباطاً كاملاً بالقيادة ومهمتها رعاية اللجان التحتية والاتصال بالوسط السياسي، والثالثة هي اللجان المحلية وتتألف كل منها من ثلاثة إلى خمسة أعضاء تتواجد في المدن الكبيرة والأحياء ومهمتها كسب الأعضاء الجدد وتدريسهم ثقافة الحزب. وهناك قانون إداري يحدد صلاحية كل جهة ويتضمن حق العضو في محاسبة القيادة، وهو الأمر الذي لا يمكن فحصه أو معاينته عملياً.

  انتشرت أفكار الحزب في لبنان عن طريق الطلبة الأردنيين في الجامعات اللبنانية، وكان النبهاني أثناء إقامته في دمشق كثير التردد إلى بيروت، حيث أقامت زوجته اللبنانية، إلى أن استقر نهائياً هناك، منذ النصف الثاني من الخمسينات وحتى وفاته. وقد حصل الحزب على ترخيص بمزاولة النشاط السياسي في عام 1959 بناء على طلب تقدم به عدد من أوائل الأعضاء اللبنانيين منهم: علي فخر الدين، وطلال البساط، ومصطفى النحاس، ومنصور حيدر، ومصطفى صالح، ومع ذلك تعرض الحزب للعديد من الملاحقات والاعتقالات بسبب مواقفه السياسية ولم يستفد من هذا الترخيص بأي شيء على المستوى المؤسساتي (15).

  أما نظرة الحزب إلى لبنان فهو يعتبره رأس جسر للغرب الذي جاء بطائفة معينة ووضعها على رأس السلطة فيه، مما حوله إلى كيان منفصل وحكم عليه بالموت، فلبنان بتقديرهم لا يصلح لقيام دولة إسلامية وليس فيه مقومات دولة، لذلك أعلن الحزب ومن خلال مذكرة قدمها إلى الرئيس رشيد كرامي حين تشكلت لجنة الحوار الوطني في السبعينات أن المشكلة اللبنانية تحلّ فقط “بضم لبنان جميعه إلى سوريا”. وهو قام بحملة سياسية شملت مجلس النواب والعديد من الشخصيات السياسية لترويج هذا الطرح.

  أما موقف الحزب من الانتخابات النيابية في لبنان فيعبّر عنه كتيّب صادر عن الحزب (16)، ويمكن تلخيصه بالنقاط التالية:

- يعتبر السلطة التنفيذية الممثلة برئاسة الجمهورية والحكومة، رئيساً ووزراء، ثم الأجهزة الإدارية التي تخضع لسلطتهم، يعملون بموجب الدستور والقوانين الوضعية، وهي ليست من عند الله، وهي في نظر الشرع حكم طواغيت لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. وبالتالي لا يجوز للمسلم أن يكون رئيساً للجمهورية ولا رئيساً للحكومة ولا وزيراً في مجلس الوزراء (17).

- أما السلطة القضائية، فما يتعلق بالمحاكم المدنية، فغن قضاتها يفصلون الخصومات بالقوانين الوضعية، وهذا حرام، لأنه من الطاغوت. أما قضاة المحاكم الشرعية فعملهم جائز وليس حراماً وذلك لأنهم يحكمون بما انزل الله (18).

- أما السلطة التشريعية الممثلة بمجلس النواب المؤسس على النظام الديمقراطي الذي يجعل السيادة للشعب، فهو يناقض الإسلام من الأساس، لأنه لا يحق لأحد أن يشارك الله تعالى في التشريع. لذلك لا وجود لسلطة تشريعية في جهاز الدولة في نظام الإسلام _وفق رؤية الحزب_ إلا بمعنى أخذ الأحكام الشرعية مما جاء به الإسلام، بناء على ذلك، إذا دخل المسلم إلى البرلمان مقرّاً لهذا النظام، كان آثماً بلا شك (19).

- إذا اختار النائب المسلم تشريعاً أو قانوناً وضعياً وصوّت لصالحه كان آثماً، وينطبق عليه أنه طاغوت. أما إذا رفض وصوّت ضّده فلا يقع في هذه المعصية.

- ويعتبر الحزب أنه “وبما أن رئيس الجمهورية في لبنان نصراني أي كافر، وبما أنه يحكم بالدستور والقوانين الوضعية، أي بغير ما أنزل الله، فإن النائب الذي ينتخب رئيساً للجمهورية على هذه الحال يكون آثماً من ناحيتين: أولاً لأنه تولى كافراً ورضي بأن يكون حاكماً له، وثانياً أنه رضي بأن يحكم بغير ما أنزل الله أي بالكفر (20).

- إن أعطى النائب المسلم ثقته للحكومة يعتبر آثماً، لأنه يمنح ثقته لحكومة تحكم بدستور وقوانين وضعية وبالتالي تحكم بالكفر. إان حاسب النائب المسلم الحكومة على تقصيرها في تطبيق أي قانون وضعي كان أيضاً كافراً لأنه يطالب بتطبيق قوانين الكفر. وإن قصّر في محاسبتها يكون آثماً أيضاً، وعليه مطالبتها بتبني الإسلام وتطبيقه ليرفع عن نفسه الإثم.

- ومع ذلك يعتبر حزب التحرير أنه يجوز للمسلم الدخول للبرلمان إذا تقيّد بالشروط التالية: أ- أن يصرّح خلال حملته الانتخابية أمام الناس أنه يعتبر النظام القائم نظام كفر وأنه يرفضه من أساسه.

ب- أن لا يقترح أي قانون وضعي ولا يصوّت لصالحه.

ح- أن لا ينتخب أي رئيس للجمهورية طالما أنه كافر ويريد الحكم بالدستور اللبناني والقوانين المنبثقة عنه.

د- أن لا يمنح الثقة لأي حكومة.

هـ- أن يحاسب السلطة التنفيذية على أي قرار أو إجراء مخالف للشرع وأن يمتنع عن مطالبتها بتطبيق القوانين الوضعية (21).

  لا يجوز للمسلم برأي حزب التحرير أن يترشح للنيابة بغير هذه الشروط ولا يجوز للمسلمين أن يقترعوا لأي مرشح لا يلتزم بهذه الأحكام الشرعية، وإلا من يخالف ذلك يكون مشاركا في الإثم العظيم. كذلك لا يجوز أن يتحالف المرشح المسلم مع الكافرين –غير المسلمين- والعلمانيين لأنه بذلك يدعو الناخبين من المسلمين إلى انتخابهم، ولا يجوز قطعاً أن يتقرب من الجهات النافذة والحاكمة وأن يتملقها من أجل إدراج اسمه على لوائح مرشحيها (22).

  يخلص الحزب إلى اعتبار أن قوة المسلمين لا تأتي من وصول نائب الى البرلمان، معتبراً أن السماح بوصول بعض وجوه التيار الإسلامي إلى البرلمان اللبناني كان يستهدف استيعاب الحركة الإسلامية وحرفها عن طريقها، ويرفض حجج البعض، الذين يقولون أن المشاركة تفتح المجال لتقديم الخدمات للمسلمين في لبنان كإصلاح الطرق والمجارير والكهرباء وغيرها، معتبراً أن هذا التفكير يغرق في الجزئيات التافهة ويتجاهل الكوارث التي تلم بالأمة في كل بقاع الأرض (23)، وهو يسخر مما يظنه البعض من أن الوصول إلى الحكم وإقامة الدولة الإسلامية قد يكون طريقه البرلمان، فهذا بنظره هرطقة فارغة. لأن واقع البرلمان اللبناني يؤكد استحالة ذلك فأغلبية أعضائه ليسوا من المسلمين (24). كما يرفض بشدة فتاوى التكيّف مع الواقع الفاسد وترقيع هذا لواقع ومقولات انتخاب السيئ مقابل الأسوأ قياساً على قاعدة أهون الشرّين، التي تصرف المسلمين عن العمل الجدي للتغيير الجذري.    

  لكل هذه الاعتبارات هم يرفضون الديمقراطيّة وما ينتج عنها من مؤسّسات. ومع هذا رشّح الحزب أحمد الداعور في الأردن وكان نائباً عنه في مجلس النوّاب عدة دورات. كما رشح الحزب في لبنان السيد علي فخر الدين والسيد يوسف بعدراني في بيروت، والشيخ عثمان صافي في طرابلس، ورشح عبد الرحمن المالكي في سوريا. إلا أنه في التسعينات عارض المشاركة في العملية الانتخابية في لبنان لكنه ما لبث أن عاد وأجاز ذلك بشروط محددة. في كل الأحوال اقتصر نشاط هذا الحزب على البناء الحزبي والإعداد الفكري والسياسي ضمن شروط دقيقة وصعبة وسرية مما حرمه من بناء قواعد شعبية وحوّله إلى حزب نخبوي. أصدر الحزب في أواخر الخمسينات وحتى السبعينات صحيفة أسبوعية من بيروت باسم “الحضارة”  ويصدر منذ العام 1987 مجلة شهرية تدعى “الوعي” ، كما أسس دور نشر خاصة بطباعة كتبه، كدار النهضة الإسلامية ودار الأمة. إلا أن تطوراً مهماً حدث في العام 2006 حيث وافق وزير الداخلية أحمد فتفت على منح الحزب ترخيصاً رسمياً، الأمر الذي جعل الحزب ينتقل إلى شيء من العقلانية في عمله. ومن المبكر الحكم على  تأثير العمل العلني في منهج واتجاهات الحزب وتكيفه في المجتمع اللبناني.

  جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش)، منذ انطلاقتهم في العام 1983 تبنوا منهجاً فكرياً يختصره مرشدهم العام “عبد الله الهرري” بأنهم لا يتّبعون فكرة مستحدثة ولا منهجاً جديداً كحالة من يتبعون سيد قطب أو النبهاني أو محمد عبد الوهاب أو ابن تيمية، إنما   “نحن أشعرية شافعية، أشعرية من حيث العقيدة وهي عقيدة مئات الملايين من المسلمين، ومن حيث الأحكام العملية نحن شافعية. ولا نستحل اغتيال رجال الحكومات لأجل أنهم يحكمون بالقانون. نحن بريئون من هذه الفئة. أما مسألة بيان المكفرات في الألفاظ الكفرية فنحن لا نحمل مذهباً جديداً إنما اتبعنا في ذلك أئمة من المذاهب الأربعة” (25). ومع ذلك فالأحباش في الثمانينات هم غيرهم في التسعينات، فهم أيضاً اشتهروا في بداية تأسيسهم بالنزعة التكفيرية، وإن كانت هذه النزعة تتجه نحو الأفراد وليس المجتمعات كما هو حال الطرح القطبي، فهم كانوا يتتبعون الألفاظ الكفرية والمفاهيم السائدة عند الناس والمتناقضة مع الإسلام حسب رؤيتهم، بهدف تصحيحها ومنع تداولها عن طريق تكفير مستخدميها. بل إنهم اتجهوا نحو تكفير الداعين للتدخل في شؤون السياسة بما فيهم التنظيمات السياسية الإسلامية المنحدرة من نسب الأخوان المسلمين والسلفيين عموماً. وهو ما أدّى إلى تكفير وتكفير مضاد بين هذه التيارات، كان أحد نتائجه اغتيال أحد كبار رموزهم في لبنان وهو الشيخ نزار الحلبي عام 1995.

  إلا أنهم في التسعينات اتجهوا كغيرهم من الحركات الإسلامية نحو التلبنن والتخفيف من الشحنة الإيديولوجية المصاحبة لحركتهم ومواقفهم مع إصرارهم على التميز عن باقي الحركات الإسلامية، وعلى الرغم من افتقارهم إلى أطروحة سياسية متكاملة إلا أنه من الواضح أن أفراد هذه الجمعية لا يتبنون أسلوب التغيير الجذري، بل قام فكرهم على معارضة الداعين لإقامة دولة إسلامية وهم خففوا من نزعة التكفير في شؤون السياسة. وهم يختلفون عن جميع الحركات الإسلامية حيث يجاهرون بمسألة التعددية في المجتمع والعمل من داخل النظام السياسي وليس من خارجه مشددين على “الاعتدال والتسامح” منهجاً في علاقتهم مع الآخرين. وقد شاركوا في الانتخابات النيابية عام 1992 في طرابلس وبيروت التي حصلوا على مقعد نيابي فيها شغله “عدنان طرابلسي”. إلا أن الجمعية فشلت في الحصول على أي مقعد في الدورات التالية وكان تأثيرها محصوراً في بعض المناطق في الانتخابات البلدية والاختيارية.

  لا شك أن جمعية المشاريع استطاعت خلال فترة وجيزة أن تكوّن قاعدة شعبية هامة في المدن الأساسية وخاصة في العاصمة بيروت وطرابلس، بل إن نشاطها شمل أيضاً العديد من البلدات والقرى، وهي اكتسبت صفة العالمية لأن وجودها يمتد ليشمل أكثر من أربعين دولة في القارات الخمس، حسب مصادرهم الإعلامية. وترافق مع توسع الجمعية إنشاء مؤسسات ومراكز ونوادٍ وشبكة مدارس وفرق إنشاد دينية ضخمة، كان لها الدور الفعال في ترسيخ وجودها الانتخابي والسياسي في بعض المناطق. إلا إن اغتيال أحد أبرز رموزها الشيخ “نزار الحلبي” وهو الشخصية التي كان يراهن عليها الرعاة الإقليميون للجمعية لكي يلعب دوراً موازياً لدار الفتوى، هذا الاغتيال ترك آثاراً سلبية على الجمعية فيما بعد، ظهرت في انحسار دورها السياسي والشعبي واقتصاره على إقامة الاحتفالات الوطنية والقومية والدينية المؤيدة لسوريا (26)، وعدم نجاحها في بلورة فكر وبرنامج سياسي متكامل يمكن تتبعه في أدبياتهم المعلنة. وقد تضررت الجمعية كثيراً بعد جريمة اغتيال الحريري وخروج السوريين من لبنان واتهام بعض أعضاء الجمعية في المشاركة بعملية الاغتيال (27).

  جماعة الدعوة والتبليغ وهي من الجماعات الدعوية ذات الطابع العالمي والمؤسس الأول لها هو الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي (1303-1364هـ) في الهند، اتم تعليمه في ديوبند، اكبر مدارس الأحناف في شبه القارة الهندية التي تأسست عام 1283 هـ/1867 م وأبرز أفكاره تقوم على إشاعة، الكلمة الطيبة، والدعوة الى الله وإقامة الصلوات ذات الخشوع والعلم والذكر وإكرام المسلمين والإخلاص، ثم “الخروج” من أجل الدعوة.

  تأسست الجماعة في لبنان في السبعينات على يد الشيخ حبيب سرحال من بلدة دلهون في إقليم الخروب في جبل لبنان، ومن أبرز أركانها عبد المجيد أبو الذهب (بيروت)، والشيخ سعد الدين عكاري (بيروت)، ثم انتشر العمل الدعوي إلى كل لبنان وخاصة إلى طرابلس شمالي لبنان عبر الشيخ مصطفى الحاج (أبو فواز)، والشيخ عمر فاهمة، والشيخ محمد مرعي، حيث يقود الجماعة الآن الشيخ عبد القادر صالح العبد (أبو إبراهيم) من خلال جامع طينال بعدما كانت البداية في جامع محمود بك.

  ترى هذه الجماعة أن الدعوة إلى الله هي الأساس في عمل الأمة، وهم لا يتدخلون في الأمور السياسية ولا يتعرضون للمسائل الإجتهادية الخلافية، بل يرون أن على كل مسلم أن يعمل في ضوء المذهب الفقهي الذي اختاره أو الرائج في بلده، وأن عليه الاهتمام بالإيمان والإخلاص والصلاة والعلم والذكر وإكرام المسلم والدعوة إلى الله، والخروج والنفقة الخاصة. فكل من يخرج يجب أن ينفق من جيبه الخاص لا على حساب جمعية أو تبرعات، ومن لم يستطيع الخروج أو الإنفاق فليعمل في مسجد الحي وفي الجولات المحلية.

  أما عن كيفية وأسلوب “الخروج” أو الجولات فيشرح الشيخ بأن العضو في الجماعة يترتب عليه أن يخرج في العمر 4 أشهر إلى الهند، أو باكستان حتى يتعلم أصول عمل أهل الدعوة… ونحن نخرج للدعوة كل سنة 40 يوم، وكل شهر 3 أيام، وفي الأسبوع جولتان، واحدة في مسجد الحي وأخرى في مسجد آخر، وحلقتا تعليم، واحدة في مسجد الحي وثانية في البيت لتعليم الزوجة والأولاد. والجولة كالعمود الفقري للدعوة، وموضوعها هو الله تعالى، وفيها نرغب أهل الحي بالحضور إلى المسجد برفقة أحد الشخصيات أو إمام المسجد، وبعد الصلاة يتم إلقاء الكلمة، ويطلب من الحاضرين تسجيل أسماء من يرغب بالخروج في سبيل الدعوة، ومن لا يستطيع يخدم في المسجد (28).

  والواقع أن جماعة الدعوة والتبليغ تنتظم فيما يعرف باسم “الفيصلة” وهي موقع الأمير، وهو يتغير كل ثلاثة أشهر، وأسلوب العمل الغالب هو الشورى، وهم على الصعيد السياسي في لبنان قوة مؤثرة في بعض التجمعات الشعبية السنية، لكنهم ليسوا قوة فاعلة فلا يشاركون في الحياة السياسية. ومراكزهم الأساسية حالياً في بيروت (مسجد الدنا)، وفي صيدا (مسجد الإمام علي)، وفي البقاع (مسجد أبي بكر الصديق)، وفي طرابلس (مسجد طينال).

  في الخاتمة يمكن القول أن الجماعة الإسلامية، وبقية الحركات الإسلامية السنية لم تستطع  أن تثبت فعاليتها وتأثيرها في التنافس على زعامة الشارع السني مع تيار الرئيس رفيق الحريري، ومع الزعامات السنية التقليدية الأخرى، بل هي سجلت تراجعاً ملحوظاً وبالتالي انعكست مشاركتها في الحياة السياسية سلبياً على بنيتها التنظيمية التي تعرضت للاهتزاز الذي ظهر للعلن وخصوصاً في الشمال والعاصمة.

  كذلك يمكن القول أن مشاركة الحركات الإسلامية في الانتخابات النيابية خطوة هامة نحو الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية عبر آليات النظام “الديمقراطي اللبناني”، إلا أنها خطوة غير كافية لتطبيع الإسلاميين مع الحياة السياسية التي لا يمكن اختزالها بعملية الانتخابات فقط، فهذه ليست أكثر من مظهر من مظاهرها. إلا أنه يمكن القول أيضاً أن مشاركة الحركات الإسلامية في الانتخابات النيابية يعتبر خطوة هامة أيضاً باتجاه “التلبنن” والتخفيف من الشحنة الإيديولوجية الصارمة المصاحبة لأسلوب عمل هذه الحركات. مع ذلك لا نريد أن نهدر ما توصلت إليه الحركات الإسلامية في لبنان من خطوات محمودة باتجاه الخيار الديمقراطي وإن بشكل متفاوت بين أطرافها المتعددة، فما ينطبق على الجماعة الإسلامية لا ينطبق على حزب التحرير أو على السلفيين مثلاً. مع ذلك لا نجد حتى عند أكثر الحركات الإسلامية السنية تلبنناً، قراءة إسلامية معاصرة وجريئة لمعضلة الديمقراطية والمشاركة في الحياة السياسية في مجتمع متنوع طوائفياً ومذهبياً، تطرح بواقعية وتناقش بصدق إشكالية وإمكانية قيام نظام حكم في لبنان تقوده إيديولوجيا دينية دون أن يعني ذلك غلبة لطائفة على أخرى. وتزداد الإشكالية صعوبة في إطار الخصوصية الطائفية اللبنانية التي تفرض نفسها على كل طرح عام، سواء كان طرحاً تنموياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً أو تربوياً، فكل شيء في لبنان يمكن أن يفسر طائفياً، وهو الأمر الذي لا مناص منه حين يكون الطرح سياسياً، فلا شيء يمكن أن يبعد الشعار السياسي عن التطيـّف طالما أن مصدر هذا الطرح هو إيديولوجيا دينية تعبر عنها تنظيمات من لون طائفي بل مذهبي محدد. وهذه هي الإشكالية الأصعب التي تأسر التنظيمات الدينية وتجعلها واقعة في فخ صناعة حرب أهلية باردة، يمكن أن تتحول إلى ساخنة كلما فكرت في تعديل موازين القوى، أو تعديل التركيبة السياسية التي يقوم عليها النظام السياسي. فما يحققه تنظيم ديني من تقدم سياسي ينظر إليه من الطوائف الدينية اللبنانية الأخرى، بل والمذاهب الأخرى على أنه تقدم لطائفة أو مذهب على حساب البقية. لذلك شاءت أم أبت، أرادت أم لم ترد التنظيمات السياسية الدينية، فهي تصنع وتوفر الوقود اللازم لاستمرار الحرب الأهلية الباردة في لبنان، تلك هي إشكالية الأحزاب الدينية في لبنان.

___________________________________________________________

المراجع والمصادر

 

1- عماد، عبد الغني: الحركات الإسلامية في لبنان، الدين والسياسة في مجتمع متنوع، دار الطليعة، ط2006،

2- يكن، فتحي: حوار في إطار سلسلة حوارات ساخنة أجراها غسان وهبة، الحلقة 17، جريدة الديار اللبنانية، 5/11/19983.

3- يكن، فتحي: ماذا يعني انتمائي للإسلام، مؤسسة الرسالة، ط21، ص154-168.

4- وثيقة صادرة عن المجلس العلمي في الجماعة الإسلامية (9/8/1992)، ومنشور أيضاً في ملحق كتاب فتحي يكن: “أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان” صادر عن المركز الإسلامي للدراسات والتوثيق ومؤسسة الرسالة، طرابلس، لبنان، ط 1996، ص179.

5- انظر جريدة المستقبل اللبنانية (4/12/2000)، وأيضاً السجالات المتبادلة بين قيادات الجماعة والاتهامات التي تراشقها بعض قياداتهم والتي طالت فتحي يكن بذمته المالية على صفحات الجرائد الطرابلسية (انظر جريدة الإنشاء الطرابلسية الأعداد 6640و 6653 من سنة 2001، وجريدة التمدن الطرابلسية في 19/3/2004؛ العدد 978.

6- موقع الجماعة الإسلامية على الانترنت al_jamaa.net  فضلاً عن لقاءات ومقابلات شخصية مع مسئولين وكوادر في الجماعة.

7- الأيوبي، أحمد؛ انظر جريدة المستقبل اللبنانية، تداعيات الانقسام داخل العمل الإسلامي، 20/3/2008، ص6.

8- لمزيد من التفصيل انظر كتابنا: الحركات الإسلامية، المرجع السابق، ص 201.

9- نشر البيان في جريدة النهار اللبنانية في 9/2/2006 وعدد من الصحف اللبنانية، وهو كان صدر تنديداً واستنكاراً للشغب الذي حدث إثر التظاهرة التي جرت في منطقة الأشرفية المسيحية من بيروت، والذي طال الممتلكات وعقارات بعض السكان حينها.

10- انظر مجلة الفدى الطرابلسية (عدد خاص)، أسبوعية مستقلة، عدد 4 تشرين/ أكتوبر، العدد 40، السنة الثانية، 2007.

11- جريدة التمدن الطرابلسية، تصدر أسبوعياً من مدينة طرابلس شمالي لبنان، انظر العدد الصادر في 22/5/2008.

12- النشرة الإعلامية الخاصة بجمعية الهداية والإحسان (2008).

13- منهج حزب التحرير، منشورات الحزب، 1989، ص40-43.

14- يشرح النبهاني أفكاره تفصيلاً في كتابه: التكتل الحزبي الصادر عام 1953، وكتابه نظام الإسلام، ويتابع هذه الأفكار ويوسعها خليفته عبد القديم زلوم في كتابه “نظام الحكم في الإسلام، من منشورات الحزب، ط6، 2002.

15- دراج، فيصل؛ باروت، جمال (تنسيق): الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية، ج2، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، دمشق، ط3، 2000، ص90.

16- الحكم الشرعي في الانتخابات النيابية اللبنانية، حزب التحرير، ولاية لبنان، 1421/ 2000.

17- المصدر نفسه، ص3.

18- المصدر نفسه، ص4.

19- المصدر نفسه ص 6.

20- المصدر نفسه ص 7.

21- المصدر نفسه ص 8-9.

22- المصدر نفسه ص 11.

23- المصدر نفسه ص 13.

24- المصدر نفسه ص 14.

25- انظر موقع جمعية المشاريع على الانترنت http://www.al-ahbash.org.

26- انظر ردود الفعل السياسية على حادثة الاغتيال والتي تعتبر ذات دلالة هامة، وهي حادثة الاغتيال السياسي الأولى بعد الطائف، والتي اتهم بتنفيذها تنظيم عصبة الأنصار بقيادة عبد الكريم السعدي الملقب ب “أبو محجن”  انظر صحف السفير والنهار والحياة يومي 1و2/9/1995 وما تلاها من محاكمات وإعدامات بحق بعض المتهمين بالاغتيال، وأهمها ما ورد على لسان الشيخ سعيد شعبان باعتبار الإعدام السريع لهؤلاء الشبان خدمة للمشروع الأميركي الصهيوني (جريدة الديار اللبنانية في 1/4/1997).

27- جريدة المستقبل اللبنانية في 27/10/2005.

28- مقابلة مع الشيخ صالح العبد (أبو إبراهيم) أمير الدعوة والتبليغ في طرابلس، في جريدة الرقيب الطرابلسية، منشورة على موقع rugb.8m.com.

 

                                                   الدكتور عبد الغني عماد

باحث في الدراسات الإسلامية

                                                              وأستاذ في الجامعة اللبنانية

 

 

كيف سيزهر الربيع إسلامياً؟

كيف سيزهر الربيع إسلامياً؟

 الدكتور عبد الغني عماد

  تخلّى البعض بسرعة عن مصطلح الربيع العربي والثورات العربية، وذهب إلى القواميس والمعاجم ليدقق في التعريفات ومدى انطباقها على الحالة العربية، ليحدثنا بعد ذلك عن “شتاء” ثم عن “جحيم” ينتظرنا، لمجرد أن هذا الربيع الذي نتحدث عنه أوصل الإسلاميين بالانتخابات إلى السلطة في بلدين عربيين ويطرق الباب بقوة في بلدان أخرى لإيصال تيارات إسلامية مماثلة.

  يطرح هذا الأمر العديد من الأسئلة أولها لماذا حصدت هذه الحركات تلك الأصوات الكبيرة؟ وما هي التطورات الجديدة التي طرأت على الخطاب الإسلامي في نظرته لعلاقة الدين بالدولة على ضوء هذا الحراك الثوري العربي؟! ما هي انعكاسات انتقال الإسلاميين إلى العمل السياسي العلني وانخراطهم في الحياة السياسية على خطابهم وبنيتهم التنظيمية وأساليب عملهم؟

  ساد لفترة طويلة رأي بين بعض الباحثين يعتبر أن الحركات الإسلامية عاجزة لأسباب بنيوية ومعرفية عن التكيف مع المنظومة الديمقراطية وبالتالي عن إنتاج هيكلية حزبية مرئية أو ملموسة وعاجزة عن القيام بوظائف سياسية ومنها المشاركة الديمقراطية في الحياة السياسية والقبول بالتعددية بسبب تخندقها في الفخ الإيديولوجي، حيث أنها جميعها، على الرغم من بعض التباينات، تهدف إلى إنشاء دولة إسلامية “حكم الله”. وبالتالي فأن أي محاولة لتشجيع هؤلاء للانخراط في النظام السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات ستؤدي حسب “برنارد لويس” إلى وضع مشابه لوضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى التي وصل فيها الحزب النازي إلى الحكم عن طريق الانتخابات الحرة. إلا أن باحثين آخرين يرون خلاف ذلك، إذ استطاعت عملياً بعض الحركات الإسلامية أن تتكيف مع النظام الديمقراطي وأن تتحول إلى قوة طبيعية معارضة في بلدان مختلفة مثال: مصر، تونس، الجزائر، تركيا، لبنان، الأردن، اليمن، المغرب، الكويت وباكستان. وهم يعتبرون هذا التكيف دليلاً على مرونة الإسلام كعقيدة وقابلية الإسلاميين على التكيف مع الواقع، لذلك يجب تشجيعهم على الانخراط في الحياة السياسية من خلال العملية الانتخابية، وهو أمر يشبه المسار الذي دخلت فيه الأحزاب الشيوعية، الشمولية والمؤدلجة في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

  وبعيداً عن التصنيفات الجاهزة والمعلبة بل وربما المؤدلجة للحركات الإسلامية، فإنه من الثابت أنه كلما كانت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حادة ومترافقة مع شعور هذه الحركات بأنها مستهدفة بالقمع، لجأت إلى السرية وإلى الطرح الإيديولوجي الجذري، وإلى العنف. وعلى العكس، كلما كان القمع والاضطهاد أقل ضراوة تجاههم وكلما كانت الأزمات والظروف السياسية والاقتصادية أقل حدة، لجأت هذه الحركات إلى الانخراط في الحياة السياسية العلنية، وأنشأت بالتالي هيكليات تنظيمية مرئية ومارست وظائف سياسية محددة، معتمدة ما يسمى في لغتها السياسية “فقه المرحلة” أو “الضرورة” والذي يرتب عليها انتهاج الواقعية والمرونة السياسية بدلاً من الطرح العقائدي والجذري بهدف الوصول إلى أسلمة المجتمع والدولة والتي هي أهداف قصوى صعبة المنال.

  نخلص من هذا العرض إلى أن الحركات الإسلامية تنقسم في موقفها من الديمقراطية إلى فريقين: الأول يشارك بنسب مختلفة في الحياة الديمقراطية ويخوض الانتخابات فيها وهو فريق آخذ بالتنامي والتزايد، والثاني يناهض الأنظمة القائمة ويحاربها سياسياً وفي بعض المناطق عسكرياً باعتبارها أنظمة كافرة تعتمد شرائع وضعية. وكلاهما ينظر إلى الديمقراطية باعتبارها نتاج الحضارة الغربية المادية المتناقضة في جوهرها الفكري والفلسفي مع الإسلام. ونقطة الخلاف أن الفريق الأول توصل إلى تبني الخيار الديمقراطي وقام بعملية تأصيل فقهي وفكري له، ليس باعتباره أداة للحد من استبداد الأنظمة القائمة فقط وإنما لاعتباره خياراً لا يتناقض مع ثوابت العقيدة. وهو خيار وضعهم على تناقض تام مع الفريق الإسلامي الأول وأدخلهم في سجالات واسعة معه، لكن خصومهم العلمانيين لا يكفون عن اتهامهم بالديماغوجية والمصلحية والتشكيك بصدق تبنيهم للحل الديمقراطي كمنهج للتعامل مع الأطراف السياسية والاجتماعية المتنافسة والمتصارعة داخل كل وطن من الأوطان التي يعملون بها. ويرد هؤلاء بالتشكيك بمصداقية الديمقراطية التي سرعان ما تتحول الى استبداد عندما يلوح بالأفق إمكانية وصول الإسلاميين للحكم.

  إن هذا التحليل يفضي إلى أن مسألة الديمقراطية ليست وصفة جاهزة أو بضاعة معلبة صالحة للتصدير بقدر ثقافة و مسار ومحصلة لتطور اجتماعي واقتصادي وسياسي، والسجال الدائر بين الفريقين يطرح بعمق تساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الديمقراطية، وهو مصدر خوف كامن عند الفريقين.

  ومع ذلك لا يمكن الإنكار بأنه مع نجاح الإسلاميين في الثورتين المصرية والتونسية تصاعدت مخاوف التيارات العلمانية من إمكانية سطوة وهيمنة القوى الدينية، ثم تعمقت المخاوف بشأن تبديد بعض المكاسب المدنية والعلمانية المتواضعة التي راكمتها التجربة المدنية للدولة.

  والواقع أن التجربة التركية كانت حاضرة كنموذج للحكم يصلح للاقتداء به في سجالات الإسلاميين مع خصومهم العلمانيين المشككين بصدق التزامهم وتوجهاتهم “المدنية” من جهة، وفي مواجهة مؤسسات الحكم المتشككة بإعلاناتهم السياسية عن التحول نحو المشاركة السياسية السلمية. وعملياً تطلعت شرائح عديدة من الإسلاميين للبحث عن مخرج من المأزق التاريخي للحركة الإسلامية التي عانت من الإقصاء والمطاردة وحملات التشويه وغياب الثقة، وهي في اجتهاداتها بشأن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة تعبر عن نفسها عبر برامج سياسية متقدمة في خياراتها والتزامها بالدولة المدنية وإن اشترط البعض منها المرجعية الإسلامية لهذه الدولة.

  في هذا المناخ صدرت ثلاث وثائق عن الأزهر، أهم ما فيها إعلان قوي من أكبر مؤسسة إسلامية بسقوط شرعية أي حكم يعتمد القمع والاضطهاد والاستبداد، مؤكداً على الخيار الديمقراطي في الدولة الحديثة والمعاصرة وعلى توزيع السلطات والفصل بينها وعلى حق المساءلة والمراقبة والمحاسبة بحيث تكون الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، ومانحة الشرعية وسالبتها عند الضرورة، وترفض الوثائق التفسير المبتور لآية الطاعة مبرزة الأسباب الشرعية والفقهية لهذا الرفض.

  لا شك أن الأزهر في هذه الإضافات والمساهمات الفكرية أعاد تشكيل دوره كفاعل ومرجعية حاضرة في ضمير الجماعة والأمة، يبقى أن تنامي دور الأزهر سوف يمثل تحدياً أمام نفوذ قوى دينية كانت تنفرد في الساحة الدينية كالتيار السلفي وجماعة الأخوان المسلمين وغيرهم. في المقابل لطالما اعتبرت هذه التيارات الأزهر رمزاً لنظام سياسي فاسد يستخدمه كبوق يوفر له شرعية دينية عبر فتاوى معلبة تخدم رغباته.

  يمثل انفتاح الأزهر على المجال العام مزيداً من الفرص لهذه القوى والحركات كالأخوان والسلفيين للتواجد داخل جدران ومؤسسات الأزهر. وفي هذا السياق تؤيد جماعة الأخوان استعادة الأزهر لدوره والاستقلال عن السلطة السياسية، لأن هذا لا يعني ولا يؤدي إلى إقصائهم أو الاستغناء عن دورهم في المجتمع. في حين لا يتفق السلفيون مع الأزهر حول الكثير من القضايا والاجتهادات الفقهية. في المقابل ترحب القوى الليبرالية بدور الأزهر المتنامي، لكنها بنفس الوقت تتخذ مواقف انتقائية من دوره، فترحيبها يتطلع نحو وضع الأزهر في مواجهة الحركات الإسلامية، لكنها بنفس الوقت ترفض أي دور رقابي للأزهر مباشر أو غير مباشر. إنهم يرون بالأزهر رمزاً للإسلام الوسطي المعتدل ويتوقعون أن يكون حائط صدّ في مواجهة تيارات دينية تصفها القوى الليبرالية بأنها تيارات متشددة تميل نحو التفسيرات الدينية الجامدة.

  يتواصل السجال بكيفيات مختلفة ومضامين متعددة، لكنه يدور حول إشكالية الدولة المدنية الحديثة وعلاقتها بالدين وهو سؤال مطروح بقوة على خلفية الثورات العربية الراهنة على الإسلاميين كما هو مطروح على الليبراليين أيضاً.

- كلمة السر في الربيع “الإسلامي”؟ .. التمكين أولاً؟

  كل ما حدث سيصبح ملكاً للتاريخ، إلا أن أحد لا يستطيع أن ينكر أن الشعوب العربية تجرأت على حكامها الفاسدين والمستبدين وأنها أسقطت رؤوساً كبيرة وأن الرأي العام العربي أصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في المجال العربي العام، وإذا كان الإسلاميين أكثر استفادة اليوم من هذا الحراك الثوري العربي فان هذا ليس مبرراً للانقلاب على مسيرة التغيير الديمقراطي التي أنجزتها انتفاضات شعبية مليونية عارمة شاركت فيها أطياف وتيارات سياسية متنوعة، بل يجب أن يكون مدعاة لترسيخ هذا التغيير وتحصينه بالمزيد من الحريات والديمقراطية ومدعاة أيضاً للأحزاب العلمانية والليبرالية والقومية لكي تراجع خطابها وأساليبها لكي تقدم ما تستطيع به أن تكسب ثقة جمهورها.

  في مواجهة الإسلاميين تطرح العديد من الأسئلة، كيف ستكون سياساتهم في السلطة؟ مع الغرب؟ مع معاهدات السلام الموقعة مع إسرائيل؟ مع إيران؟ ما موقفهم من الصراع مع الكيان الصهيوني؟ في الواقع لن يجد الباحث كثيراً من الإجابات الواضحة، وخاصة في الدول فازوا بالسلطة فيها، لكن ثمة كلمة تبدو الأكثر حضوراً عند الحديث في مثل هذه المواضيع وهي “التمكين”. وهي تلخص المشهد على أولوية التمكن مما وصلوا إليه من مواقع سلطوية، ثم يصار الحديث فيما بعد عن الأمور الأخرى. الأوضاع الداخلية هي الأساس حالياً. لا بد من استكمال عملية الانتقال من الشارع إلى مركز القرار، ولبعض الإسلاميين، وفي مقدمهم الأخوان خبرة طويلة في العمل السياسي والشعبي، رغم ما طالهم من قمع وتنكيل، خاصةً بعد أن عاشت قيادات بارزة منهم طويلاً في الغرب نتيجة النفي (راشد الغنوشي في بريطانيا)، صدر الدين البيانوني أيضاً في (بريطانيا)، وكذلك سليمان عبد القادر المراقب العام لأخوان ليبيا الذي عاش لسنوات في (سويسرا)، فضلاً عن رابح كبير القيادي الجزائري الذي قضى سنوات في (ألمانيا)، هؤلاء مع المئات من الكوادر الوسطى أكسبتهم تلك السنوات معرفة وخبرات جديدة تتعلق بأمور الحكم والديمقراطية والحريات.

  لذلك يبدو “التمكين” وعدم إثارة الغرب عبر الحفاظ على علاقات اقتصادية وسياسية واسعة معه، وطمأنة الشارع العربي المتعدد الانتماءات والإيديولوجيات هي العناوين البارزة والمرافقة للربيع الإسلامي حتى اليوم، وهذا ما يفسر تعدد اللقاءات والزيارات بين المبعوثين الغربيين، والأميركيين على وجه الخصوص، مع أخوان مصر وتونس، والاهتمام الأوروبي بالليبيين والأخوان السوريين واليمنيين.

  في هذا الأجواء تدرك إسرائيل أكثر من غيرها حراجة الموقف، فالربيع “الإسلامي” يطوقها، وهي تتابع كيف أن مراكز أبحاث أميركية مؤثرة في القرار الرسمي تنصح بسياسة استيعابية للإسلاميين تدفعهم لاتخاذ المثال التركي نموذجاً. لكن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أوصى في ختام اجتماعاته الأخيرة بتركيز الجهود مع إدارة الرئيس الأميركي للتخفيف من سذاجة الموقف الأميركي تجاه صعود الظاهرة الإسلامية وكذلك بتنبيه الدول الأوروبية لخطورة الموقف. لا شك أنه يحق لإسرائيل أن تقلق، ذلك أنه من الصعب تخيّل الشارع المصري هادئاً لو قرر جيشها اجتياح غزة وارتكاب مجازر كما فعل عام 2009. لن يقف أخوان مصر متفرجين على رفاقهم في “حماس” يقتلون تحت القصف الإسرائيلي، وهم بالتأكيد لن يقفلوا المعابر أو الأنفاق كما فعل مبارك، ولن يبقى الجولان صامتاً صمت القبور في حال وصول الإسلاميين، ولن يبقى الأردن على ما هو عليه، بل سنكون أمام مشهد آخر، مختلف تماماً.

  رغم هذا القلق الإسرائيلي تراهن الولايات المتحدة على أن يكون الربيع الإسلامي “حائط سد” أمام المدّ الإيراني، وخطوة نحو “التطويق” تهدم الهلال الشيعي”، والواقع أن الطرفان الأخواني والإيراني لطالما كرسا نوعاً من التفاهم في السياسة الخارجية المناهضة للهيمنة الأميركية وإسرائيل كانت قاعدته حماس، على رغم تشكيك واعتراض التيار السلفي، إلا أن سوريا و”ربيعها” حطم كل التفاهمات وغير الكثير من التحالفات، وقد تمثّل ذلك في ابتعاد حماس المحسوب عن الحلف الإيراني – السوري.

- تحديات أخرى على طريق التمكين:

  إلا أن تحديات كثيرة تنتظر الإسلاميين كونهم المستفيد الأبرز من هذه الثورات “انتخابياً” حتى الآن- أول هذه التحديات الانتقال من السرية إلى العلنية حيث اعتادوا العمل بعيداً عن القواعد المؤسسية الناظمة لعمل الأحزاب، مع ما يترتب على العمل السري من أمراض تتعلق بالبنية التنظيمية والخطاب وأساليب العمل.

- وثاني هذه التحديات تتعلق بتطوير الخطاب الفكري والإيديولوجي، ذلك أن مرحلة ما قبل الثورات ليست كما قبلها، ومرحلة التواجد في مواقع سلطوية ليست كما هي الحال في مواقع المعارضة، إنهم اليوم مطالبون بنوع جديد من الخطاب والبرامج من النوع الذي يحقق إنجازات تقدمية ملموسة وإلا فسوف يخسرون شرائح كبيرة ممن راهن عليهم.

- وثالث هذه التحديات يتعلق في التمييز بين الديني والسياسي، إذ لا يكفي أن تعلن هذه الحركات عن تأسيس أحزاب سياسية، ذلك أن منطق الحزب السياسي والجماعة الدينية يختلفان من حيث المنهج والذهنية والأهداف، والتجربة العربية الإسلامية إلى حدّ ما لا تزال قيد الاختبار.

- ورابع هذه التحديات يتعلق بإدارة العملية الديمقراطية داخل هذه الأحزاب، ذلك أن هذه الحركات بسبب استهدافها من الأنظمة أجّلت الكثير من الاستحقاقات الداخلية، وتحت وطأة القمع الخارجي تمتعت ببنية متماسكة، واعتمدت على ثقافة الطاعة وعلى نوع من العلاقة الأبوية بين الأجيال، الأمر الذي عطل منظومة الحراك والترقي التنظيمي. ما لم يحدث تجديد في البنى التنظيمية والحركية يتقاطع مع الأفكار التي طرحت في سياق الثورات العربية حول الحريات والمشاركة والديمقراطية والشورى، فسوف تشهد بعض هذه الحركات إشكاليات داخلية عميقة، شهدنا بعض بوادرها بخروج بعض الانتقادات إلى العلن وانشقاق بعض القيادات الشهيرة.

  خلاصة القول إن مستقبل الحركات والأحزاب الإسلامية والتحولات التي ستطالها يتوقف على الحصاد والإنجازات التي تفضي إليها التجربة وعلى الشكل الذي سوف تؤول إليه الدولة العربية في عهدة التغيير الثوري الحاصل.

أستاذ جامعي– لبنان

 

 

 

 

 

 

 

الربيع العربـي ولبنـان

الربيع العربـي ولبنـان

الدكتور عبد الغني عماد

  مع دخول الشعوب العربية عصراً جديداً، لم يعد فيه التأريخ يجري على وقع حركة الرؤساء بقدر ما أصبح فيه الشعب فاعلاً والميادين والساحات والفضاءات العامة مجالاً لصناعة شرعيات جديدة، وعلى وقع هذه الثورات وتردداتها، انتصاراتها وخيباتها، استقبل ويستقبل لبنان هذا الحراك العربي الثوري ويتفاعل معه على الطريقة المعتادة به، حيث لا يخلو الخطاب السياسي اللبناني من قراءات وتحليلات “مطيّفة” و”متمذهبة” و”مقنّعة” بمختلف أنواع الشعارات الوطنية والقومية التي توظف لصالح الاصطفاف الذي لا يزال فاعلاً (بين 14 و8 آذار) ودافعاً باتجاه انقسام يتخطى البعد السياسي والصراع على السلطة ليطال جوانب أعمق وأبعد من ذلك تتعلق بإعادة إنتاج وتوزيع السلطة وتوازناتها.

  كيف تفاعلت القوى السياسية الفاعلة في لبنان مع الربيع العربي؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه المواقف في ظل هذا الانقسام العمودي والاصطفاف السياسي الحاد على استقرار لبنان وخاصةً في ظل حكومة بقيت مواقفها ملتبسة على الرغم من شعار النأي بالنفس الذي رفعته عندما وصلت رياح الثورات العربية إلى أبواب دمشق؟ كيف ينظر المسيحيون اللبنانيون إلى هذه الثورات؟ الإسلاميون في لبنان أين هم من هذه الثورات وخاصةً مما يجري في سوريا؟! كثير من الأسئلة سوف تحاول هذه الدراسة الإجابة عليها.

 

- الربيع العربي والإسلاميون في لبنان:

  في الواقع بقيت تداعيات الثورات العربية وخاصةً ثورتي تونس ومصر ضمن إمكانيات الاستيعاب المحلي للتوازن السياسي اللبناني، فقد احتفل بها الجميع وإن كان حزب الله من أكثر القوى التي جاهرت في إقامة مظاهر إحتفالية دشنتها في مهرجان انتصار الثورات العربية، حيث أعلن فيه السيد حسن نصر الله دعمه لما يعتبره “إرادة حقيقة من الشعوب العربية المسلمة التي تكافح من أجل العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في وجه أنظمة استبدادية فاسدة وغير شرعية تلقى الدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل”[1]، كان لسقوط مبارك ونجاح الحزب في تهريب عناصره من السجون المصرية الذين حضروا هذا الاحتفال وقعٌ خاص إلا أن ثورة مصر وتونس لم تكن وحدها في نطاق اهتمام الحزب فامتداد الثورات العربية التي بدأت تزهر في أكثر من عاصمة وخاصةً في البحرين وسوريا على أبواب لبنان تحديداً وضع الحزب أمام مواقف صعبة.

  شكّل الموقف من الحراك الثوري العربي في البحرين وسوريا منذ انطلاقته عاملاً إضافياً في إظهار المزيد من التمايز بين الجماعة الإسلامية وحزب الله وبين باقي الإسلاميين من جهة أخرى.

  ترى الجماعة الإسلامية أن ما جرى في البحرين تحوّل إلى فتنة يجب تلافي شرّها في العالم الإسلامي، ولا يجوز تشبيهها بثورة 25 يناير المصرية لا من حيث الأعلام المرفوعة ولا من حيث الأطراف، ولا من حيث تعبيرها عن موقف وطني موّحد، فضلاً عن اصطدام القائمين عليها مع شريحة أساسية هي سنّة البحرين. وعليه كان موقف الجماعة مخالفاً لتوصيف حزب الله لما يجري في البحرين، فهي لم تعتبر قوات درع الجزيرة قوات احتلال كما ذهب السيد نصر الله في مهرجان دعم الثورات العربية متسائلاً عن سبب صمت العالم العربي والمسلم “عن الظلم الذي يحيق بإخوانهم الشيعة في البحرين، مستغرباً عدم إثارة المسألة المذهبية عند الحديث عن الشعب الفلسطيني أو المصري أو التونسي أو الليبي”[2]

  من هذا المنطلق كانت خطبة الجمعة للعلامة “يوسف القرضاوي” إذ قال بوضوح إن الحركة في البحرين تحولت طائفية و”أن أهل السنة لما رأوا هذا قالوا نحن لنا مطالب أيضاً.. ولم يكن المحتجون سلميين، بل اعتدوا على كثير من أهل السنة واستولوا على مساجد ليست لهم، واستعملوا الأسلحة كما يفعل البلطجيون في اليمن ومصر وغيرها، ضدّ كثير من المستضعفين من أهل السنة.. إن الخطر هو أن ينسب الشيعة أنفسهم إلى بلاد أخرى ويحملوا صورة خامنئي وصورة نصر الله وصورة كذا وكأنهم ينتسبون إلى إيران لا إلى البحرين..”[3]. هذا الموقف والردود التي جاءت عليه من الإعلام المؤيد لحزب الله، بل وحتى الرد المباشر الذي جاء من السيد حسن نصر الله دون أن يسميه، خلف توتراً، بين الإسلاميين السنة عموماً ومن ضمنهم جمهور الجماعة وبين حزب الله، ذلك لأن مهاجمة القرضاوي يعادل لدى الإسلاميين مهاجمة السيد نصر الله أو الخميني لدى حزب الله أو مؤيديه في العالم.

  لا تتردد الجماعة من تحذير “الأقلام والأفواه المأجورة التي لم تعتد سوى العيش في كنف الظالمين وأن تكون أدوات تستخدم من قبلهم ويخشون على أرزاقهم فيهاجمون العلامة القرضاوي لقوله كلمة الحق. فنقول لهم كفى تمادياً على هذا العلامة المجاهد.. فنحن نقف مع الشرفاء في مسيرة الحرية والكرامة ونرفض منطق الاستكبار والاستعباد للشعوب”[4].

  جاءت أحداث انتفاضة الشارع السوري لتشكل بدورها عامل تباين إضافي بين الفريقين، خاصةً وأن الملف الإسلامي في سوريا حساس وضخم، لم يتردد القرضاوي في إدانة ما حصل في درعا وما سبقه من قمع بحق المتظاهرين المسالمين المطالبين بالاصلاح[5].

  في حين أن الجماعة أعلنت بوضوح أن “الصراع اليوم بين فئتين: فئة تطالب بالعزة والكرامة ومستعدة لبذل الأنفس في سبيل رفع الذل والاستعباد. وفئة لا تزال ملتبسة تتلمس رضى السلاطين وتبطش بأيديهم وتسمح لنفسها أن تكون أبواقاً مدافعة عنهم وعوناً للظلمة”[6]، كان حزب الله يتخذ المزيد من المواقف التي تنسجم مع تحالفه الاستراتيجي مع النظام السوري، ويبدو أنه راهن كثيراً في البداية على قدرة النظام على استيعاب الاحتجاجات إلا أن استمرارها وتوسعها وارتفاع الأصوات المنتقدة لموقفه والتي تتهمه بازدواجية المعايير، وخاصةً بعد تأييده للثورة الليبية والتي تدخل فيها “الناتو” لأسباب تتعلق بخصوصية الطائفة الشيعية وإخفاء الإمام السيد موسى الصدر والمتهم به نظام القذافي، دفعه في احتفال “انتصار الثورات العربية” إلى الإعلان بوضوح أن حزبه وقف إلى جانب ثورات مصر وليبيا واليمن والبحرين وتونس، محدداً معيارين ينطلق منهما في تأييده لأي ثورة: الأول يتمثل بموقف هذا النظام من الصراع العربي الإسرائيلي، والثاني غياب أي أفق أو أمل في الإصلاح على المستوى الداخلي[7]، معتبراً وفق هذا التحليل أن هذين المعيارين لا ينطبقان على النظام السوري لذلك هو يحظى ببركة وتأييد المقاومة، ولم يتزحزح هذا الموقف منذ ذلك الحين متبنياً رواية النظام الرسمية في إعلانه.

  القمع المتمادي الذي تتعرض له المعارضة السورية وإتهامها بالسلفية، وتسليط الأضواء على دور الأخوان المسلمين السوريين فيها من قبل الإعلام السوري، والدور التركي وتصريحات أردوغان والحملة المعادية ضده من قبل إعلام حزب الله والإعلام القريب منه وتشبيهه بالسلطان العثماني الجديد، لا يمكن أن تمر مرور الكرام في الأوساط الإسلامية السنية، بل إن الانتقادت العنيفة التي وجهت للقرضاوي، والتي تعود خلفيتها إلى احتقان بدأ قبل أربعة أعوام تقريباً عندما فتح القرضاوي ملف التشييع المدعوم من إيران في المنطقة محذراً من مخاطره وتداعياته، كلها شكلت عناصر خلافية مضافة على ملف العلاقة بين الإسلاميين السنة وحزب الله في لبنان.

  الجماعة الإسلامية والإسلاميون السنة اليوم في عصر الثورات العربية ليسوا كما في الأمس. فهم يقرأون في كتاب الثورة والتغيير الآتي من قلب الشارع العربي، ويشعرون أن الحياة عادت إلى منظومة التغيير العابر للحدود وأنهم عصب التحركات الشعبية وشريك أساسي فيه، لذلك لم يعد مقبولاً أن يتم التعامل معهم بفوقية ولا مع رموزهم بمنطق التخوين والاتهام. مع ذلك تتفهم الجماعة الواقع اللبناني وخصوصياته وحساسياته، لذلك تتحرك بحذر بالغ في الشارع وتتجنب القيام بحملات تعبئة سياسية أو تظاهرات تأييد ونصرة للشعب السوري كما ذهب حزب الله في تأييده لثورة البحرين متسبباً بأزمة دبلوماسية أضرّت بمصالح الكثير من اللبنانيين في الخليج.

  فالجماعة رغم تعاطفها الكامل مع ثورة الشعب السوري حريصة على أفضل العلاقات مع المقاومة وهي تتجنب كل ما يسيء إلى هذه العلاقات، لذلك تعرضت إلى الكثير من الانتقاد من بعض الإسلاميين المتشددين الذين اعتبروا موقفها ومواكبتها للحدث السوري مائعاً وخجولاً، ويراعي الظروف والوقائع أكثر مما يراعي الحق والمبادئ. ويتجاذبها تباينات في كيفية التعاطي مع الثورة السورية، حيث البعض متحمس للتصعيد السياسي والشعبي، مقابل البعض الآخر الذي يدعو إلى عقلنة التحرك والاكتفاء بالنشاط الإغاثي للنازحين السوريين، الأمر الذي جعل التحركات الشعبية للجماعة متقطعة وغير منتظمة، وتخضع للكثير من النقاش كما حدث في مهرجان ل”عيونك يا شام” الذي اقتصر على تنظيم فرع طرابلس نهاية العام الماضي.

  دفع هذا الأمر بالسلفيين اللبنانيين إلى تصعيد تحركاتهم والانفراد ببعض الأنشطة والتحركات الشعبية لدعم الثورة السورية، وكان أهمها “الظاهرة الجديدة” التي مثلها الشيخ أحمد الأسير، والذي بدأ بسلسلة تحركات تحت عنوان نصرة المظلوم، كان أبرزها في ساحة الشهداء في العاصمة اللبنانية، حيث اعتاد فريق 14 آذار أن يقيم احتفالاته الضخمة والتي ووجهت بتظاهرة مضادة مؤيدة للنظام السوري في ساحة رياض الصلح المحاذية لها[8]، ثم تلاها تظاهرة في منطقة وادي خالد شمال لبنان فضلاً عن سلسلة من النشاطات والتظاهرات المتتالية.

- تيار المستقبل وقوى 14 آذار:

  لم يتردد تيار المستقبل في الإعلان عن تأييده للحراك الثوري في سوريا والذي كان في البداية خجولاً، ومع ذلك ووجه بحملة إعلامية سورية منظمة، حيث وجهت أجهزة إعلام النظام منذ الأيام الأولى للانتفاضة في درعا أصابع الاتهام إلى قيادات ونواب في تيار المستقبل[9] بأنهم يحوّلون ويحرضون ويقودون “غرفاً سوداء” لتنظيم هذه الاحتجاجات. اكتفى التيار في الشهور الستة الأولى بنفي تهمة التدخل في الشأن السوري، والإعلان عن التعاطف عبر وسائل الإعلامية مع الشعب السوري. إلا أن التطورات دفعته إلى تطوير هذا الموقف باعتبار “أن الربيع العربي يتيح أمام اللبنانيين فرصة ذهبية لتحديث تجربتهم الديموقراطية، وتصفيتها من مخلفات الحروب الطائفية وسياسات الاستقواء والرهانات على الخارج” كما جاء على لسان الرئيس سعد الحريري”[10].

  كان لا بد في سياق تطور أحداث الثورة السورية وتفجر العنف وتدفق النازحين والموقف اللبناني الرسمي الملتبس والذي لم ينسجم مع مقررات جامعة الدول العربية أن يتخذ تيار المستقبل مواقف أكثر حدّة من النظام السوري، فأعلن على لسان سعد الحريري: “أن هناك أنظمة سياسية عمياء، رهينة حب الاستئثار الأبدي بالسلطة، اختارت أن تقود بلدانها بشعارات المزايدة والممانعة المزيفة في خدمة الحزب الواحد والرئيس القائد. وهناك شعوب قررت أن تكسر أبواب السجن الكبير وأن تصعد ببلدانها نحو المسار الديموقراطي، لترفع عن عيونها غمامة عشرات السنين من القهر والظلم والاستبداد لتنهي إلى غير رجعة، زمن الخوف الأبدي، والطاعة المطلقة للحكام وأحزابهم المحنطة. واللبنانيون أمام هذا المشهد، إما أن يختاروا طريق الالتحاق بالأنظمة العمياء.. وإما أن يأخذوا بيد الشعوب الحرة.. وفي يقيني أن شعب لبنان بأصالته الديموقراطية لن يختار سوى طريق الشعوب…”[11].

  يقطع تيار المستقبل المساحة الرمادية في المواقف السياسية بصفته معبّراً عن أكبر كتلة نيابية برلمانية من جهة وتمثيله السني الكبير من جهة أخرى فيعلن أن أي قراءة غير خلاف ذلك هي غير أخلاقية: “هناك قاتل اسمه نظام بشار الأسد يرتكب يومياً وبالجرم المشهود، عشرات عمليات القتل الموثقة…، وهناك مدينة اسمها حمص شنّ عليها حرباً لا تقل ضراوة وشراسة وحقداً عن حروب اسرائيل ضد لبنان وغزة…”.

  انعكست مواقف الحريري في وثيقة التيار والتي تمت صياغتها بعد حوارات واسعة مع حلفائه في 14 آذار، وقد كتبت لتشكل مرجعية فكرية واستراتيجية مستندة إلى خبرة لبنانية ديموقراطية عريقة أظهرت أن معاني وقيم الربيع العربي في الحرية هي معاني وقيم لبنانية متأصلة، معتبرة أن التغيير العربي يمثل مرحلة نضوج وتحدياً كبيراً في الوقت نفسه من حيث أنه يضع الوطن العربي على مشارف مستقبل جديد مفعم بطموحات شباب أمتنا لإقامة الأنظمة السياسية على قواعد احترام الحقوق والحريات العامة وخصوصاً الحريات الدينية، وكذلك حقوق الكرامة الإنسانية والعدالة والصلاح في إدارة الشأن العام، وهو “تحدٍ من حيث قدرتنا نحن اللبنانيين على المراجعة والنقد وعلى التأصل القيمي والثقافي والسياسي للخروج من المرحلة السابقة التي سيطر فيها الاستبداد والتطرف وسياسة المحاور.. والهدف من المراجعة والنقد هو التمكن من صون وحدة مجتمعاتنا وتنوعها وكرامة إنساننا في زمن التحولات..”.

  تؤسس الوثيقة لقراءة معمقة لتيار المستقبل لقضايا تتعلق بالمسألة الوطنية مع دعوة مفتوحة للمصالحة بعيداً عن الاستقواء بالسلاح، وتطلق نداءً تحذيرياً من خطورة الفتنة السنية – الشيعية منادية بالحوار، وتتوقف ملياً عند العلاقات بين المسلمين والمسيحيين والعيش المشترك ومفاهيم المواطنة والفكر الديني المستنير وتتلقف وثائق الأزهر، وتقدم قراءتها المتميزة للعروبة الحضارية في زمن الربيع العربي وتتوقف عن القضية الفلسطينية، ثم تفرد حيزاً مهماً للموقف من الثورة السورية.

- المسيحيون والربيع العربي:

  لم تستطع هذه المواقف التي تضمنتها الوثيقة اختراق حالة الاصطفاف التي يشهدها لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنها دفعت بالمشهد السياسي اللبناني نحو المزيد من الجدل والحوار، خاصةً بعد أن خرجت العديد من الوثائق والمواقف المسيحية التي تحاكي الربيع العربي وفي مقدمتها الوثيقة التي قدمها الرئيس أمين الجميل وحزب الكتائب ومواقف الدكتور سمير جعجع، والوثيقة المسيحية للقاء سيدة الجبل، خاصةً وأن هذه المواقف أطلقت بعد المواقف المثيرة للجدل التي أطلقها البطريرك الماروني بشارة الراعي إثر زيارته إلى فرنسا ولقائه الرئيس ساركوزي والتي أتبعها بسلسلة من التصريحات الملتبسة التي تطرح إشكالية الأقليات في الشرق ومخاوف المسيحيين من تنامي الأصولية الإسلامية ووصولها إلى السلطة مع الربيع العربي وأثر ذلك على مستقبل الوجود المسيحي.

  بدا الانقسام المسيحي واضحاً حول الموقف من الربيع العربي وتداعياته، فالكنيسة المارونية ممثلة بالبطريرك الراعي أعادت للنقاش مسألة الأقليات بل ذهبت إلى الحديث عن شتاء العالم العربي لا ربيعه، منتقدةً ربيع العنف والدماء والقتل تعليقاً على ما يحصل في سوريا متسائلة عن مصير المسيحيين في حال سقوط هذا النظام؟؟ ومطالبة بالضمانات لهم؟! لقيت هذه المواقف ترحيباً شديداً من قبل التيار الوطني الحر ورئيسه الجنرال ميشال عون الحليف الأساسي لحزب الله وسورية في الساحة المسيحية، لكنها في المقابل أثارت سجالاً في الوسط المسيحي وتحديداً بين مسيحيي 14 آذار وخصومهم.

  وعلى وقع هذه السجالات صدرت الوثيقة التي أعلنها الرئيس أمين الجميل، ثم وثيقة سيدة الجبل، إثر خلوة مسيحية عقدت في أدما جمعت أكثر من 600 شخصية، وقد استندت بحوث الخلوة ومناقشاتها إلى ماضي الكنيسة وتاريخها، وإلى المقررات التي صدرت تاريخياً عن المجمعات التي عقدت على هيئة ورشات عمل شارك فيها مطارنة وبطاركة وسياسيون، وأوصت نتائج تلك البحوث بالوقوف إلى جانب المنادين بالحريات وعدم مساندة أنظمة القمع والاستبداد، معتبرة أن المسيحيين هم أول من أطلق “الربيع العربي” من بيروت، وبالتالي من غير الجائز أن لا يكونوا في صلب هذا الربيع العربي الطابع لنيل الحرية والحقوق والكرامة، كما من غير الجائز أن يصبح القلق من المستقبل والوهم مما يمكن أن يحمله، غطاء لأنظمة القمع والاستبداد وسبباً لبقائها. وخلصت الخلوة إلى تأكيد دور المسيحيين في الربيع العربي كمكون أساسي، ورفض وضعهم في مواجهة خيارات الشعوب ومساندة أنظمة القمع والطغيان والاستبداد[12].

  يكاد يكون موقف سمير جعجع والقوات اللبنانية هو الأكثر وضوحاً في مواجهة الموقف الكنسي، ولا يختلف موقف حزب الكتائب عنه كثيراً وكذلك باقي أطياف قوى 14 آذار المسيحية إلا من حيث أسلوب التعبير وطريقة تظهير الموقف والتصريح به، فالجميع يرفض منطق الأقليات من خلال السكوت أو التحالف مع الدكتاتورية والتخويف من الأصوليات، مؤكدين على حق الشعوب بالحرية والعدالة، وهم في حركتهم تجاوزوا القول إلى الحركة بهدف البحث عن الآليات المناسبة لمواكبة هذا الربيع العربي بما يؤكد دور المسيحيين الرائد في العالم العربي، وفي هذا السياق كانت زيارة الرئيس أمين الجميل إلى مصر ولقائه مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب[13]، فضلاً عن لقاءات عديدة أجريت مع فعاليات وقيادات الثورة المصرية.

  جاء هذا التحرك المسيحي اللبناني في سياق جهد لبناني مسيحي وإسلامي مشترك بدأه الرئيس فؤاد السنيورة حين التقى شيخ الأزهر بعد إصداره لوثائق الحريات والديموقراطية والتي كان لها صدى إيجابي كبير في الأوساط المسيحية كما في الأوساط الليبرالية كافة، حينها اقترح الرئيس السنيورة أن يتم إصدار وثيقة عن الأزهر وبكركي خلال زيارة البطريرك بشارة الراعي إلى العاصمة المصرية. وحينها تمّ تكليف المفكر الإسلامي اللبناني الدكتور رضوان السيد، وفيما كانت الاستعدادات جارية لإعلان هذا الحدث التاريخي الفريد من نوعه والذي حرص الرئيس الجميل على متابعته، فاجأ البطريرك الراعي خلال زيارته للأردن الجميع بمواقف ملتبسة ومشككة بموقف القيادات الإسلامية الجديدة في بلدان الربيع العربي من الوجود المسيحي فضلاً عن انتقاده للثورة السورية، ورغم محاولات تطويق هذه التصريحات وقبول التبرير بأن الكلام المنسوب له كان مجتزءاً، وبعضه كان محرفاً، لكن البطريرك، سرعان ما ردد مثل هذه المواقف في تصريحات له مع الجالية اللبنانية خلال زيارته للدوحة. أثارت هذه المواقف من ثورات الربيع العربي وخيارات الشعوب موجة استياء في أوساط الأزهر الشريف الذي اعتبر أن الوثيقة ستفقد مصداقيتها قبل ولادتها لأنها لا تعبر عن انسجام في المواقف بين الطرفين، عندها طلب الأزهر تأجيل اللقاء الذي كان منتظراً[14].

  في مناخ هذه التناقضات يتحرك الآداء الحكومي الذي يقوده رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي متبعاً سياسة “الحياد” والابتعاد عن المحاور وتجنب لبنان الانعكاسات السلبية وخاصةً تجاه الموقف من الوضع في سوريا، إلا أن هذه السياسة لا تحظى برضى جميع الأطراف، بل إنها تتعرض للانتهاك من داخل الحكومة ذاتها نظراً لطبيعة تشكيل الحكومة التي يغلب عليها فريق 8 آذار المؤيد لسوريا.

  تجنبت الحكومة محطات رئيسية تطلبت موقفاً رسمياً واضحاً في مجلس الأمن وفي الجامعة العربية، فكان “النأي بالنفس” مخرجاً مناسباً، إلا أن هذا الموقف بدا ملتبساً تجاه مسألة العقوبات على سوريا، لكنه حازماً تجاه منع تسريب أو تهريب السلاح إلى الداخل السوري من الأراضي اللبنانية[15]. مع ذلك تؤكد الحكومة على لسان رئيسها استعدادها القيام بكامل واجباتها تجاه النازحين السوريين الذين فاق عددهم العشرين ألف في الوقت الذي لا يتردد وزراء من التيار العوني بالقول إن الشعب اللبناني أولى بأي قرش يصرف على هؤلاء باعتبار أغلبهم إرهابيين، الأمر الذي أثار سجالاً ساخناً داخل مجلس الوزراء. أيضاً يثير الموقف الحكومي من الاعتداءات والانتهاكات السورية للحدود اللبنانية المزيد من التوتر والتي أدت إلى سقوط ضحايا لبنانيين كان آخرهم الصحافي علي شعبان[16]، سجالاً آخر تسبب به وزير الدفاع اللبناني حين أعلن عن وجود لعناصر القاعدة في بلدة عرسال البقاعية في اليوم الذي سبق انفجارات دمشق، الأمر الذي فسرّ في أوساط 14 آذار بأنه إعلان سياسي مقصود لتشويه حقيقة ما يعاني منه النازحين السوريين ولتوفير الغطاء الأمني والسياسي للادعاءات السورية.

- طرابلس الأكثر تفاعلاً… على خط النار

  في خضمّ هذه الإنقسامات التي تعيشها الساحة اللبنانية ثمة بؤر ومربعات قابلة للإنفجار أكثر من غيرها، ولعل منطقة بعل محسن الملاصقة لباب التبانة في مدينة طرابلس من المناطق الأكثر شهرة في هذا المجال، إذ أن غالبية سكان بعل محسن هم من الطائفة العلوية (لا يوجد احصاء دقيق لعددهم لكنهم شكلوا نسبة 8,4 بالمئة من نسبة الناخبين في المدينة حسب اللوائح الرسمية)  وبسبب روابط الدين والقرابة والسياسة بقيت علاقتهم بسوريا وبالنظام قوية، وهم منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وجدوا أنفسهم في محيط سني وسياسي مؤيد لما عرف بثورة الأرز و14 آذار، وهو ما زاد من حدّة التباعد مع هذا المحيط الذي يحمل إرث صدامات دموية جرت مع الجيش السوري أثناء وجوده فيها أعوام 1985 و1986. بقيت الأمور محتقنة طيلة تلك السنوات التي كان فيها النظام السوري وقواته موجوداً في لبنان، لكن التجاذبات بعد خروجه والانقسام الحاد بين قواه السياسية اعوام (2006 – 2007) وخاصة التفلت الذي حدث في الشارع والذي رافقه تسلّح تتوّج بما سمي “بغزوة بيروت” في 7 أيار 2008 والتي استخدم فيها حزب الله سلاحه في الداخل لأول مرة، أدت بالجملة إلى إعادة تفجير خطوط التماس القديمة بين منطقة بعل محسن العلوية والتي قادها الحزب العربي الديمقراطي والمحيط السني الطرابلسي، والتي اشترك فيها العديد من التنظيمات الإسلامية السلفية وغير السلفية. وتحولت المنطقة إلى خطوط تماس ملتهبة، شهدت خمس جولات من المعارك سقط فيها أكثر من مئة قتيل وضعف هذا العدد من الجرحى، وحرقت العشرات من المنازل والمتاجر وتم تهجير أكثر من 700 عائلة حينها.

  وبغض النظر عن كل الخلفيات المذهبية التي ربما تقتضيها آليات الحشد الطائفي في مثل هذه الحالات، إلا أن الاشتباكات لم تندلع مرة لسبب مذهبي أو ديني بل لأسباب وخلفيات سياسية في كل الأحوال، والسلاح الذي أغدق على الأطراف كان بهذا الهدف. وهذا ما يجعل هذه المنطقة وكأنها صندوق بريد لتوجيه الرسائل الأمنية والسياسية وجرح نازف ومفتوح في أفقر ضواحي المدن تهميشاً.        

  حينها تمت المصالحة بحضور الشيخ سعد الحريري وكامل فعاليات المجتمع الطرابلسي السني وممثلي الطائفة العلوية[17]، حيث دخلت بعدها المنطقة في حالة من الهدوء، دون أن يعني ذلك أن فتيل الأزمة قد سحب نهائياً، فهذه المنطقة يعود إليها التأزيم والتوتر الأمني، كلما حدث إنسداد على المستوى السياسي، حتى يكاد البعض يعتبرها ساحة لتبادل الرسائل والضغوط وجرحاً نازفاً لا يراد له الشفاء.

  ومنذ انطلاق الثورة السورية عاد التوتر يسود نفس خطوط التماس بين حي بعل محسن ومحيطه بين الحين والآخر على خلفية المواقف المتعارضة مع مزاج غالبية أهل مدينة طرابلس المتعاطفين بطبيعة الحال مع الثورة السورية والحاضنين للنازحين السوريين والناشطين لتأمين ما يلزم لهم. كان يكفي أي حادث عرضي ليفجر الأوضاع الأمنية وخاصة في ظل مواقف رسمية لحكومة اتهمت بعض أطرافها بتغطية مواقف النظام السوري رغم سياسة “النأي” بالنفس التي أعلنها رئيسها الطرابلسي “نجيب ميقاتي”. وفعلاً هذا ما حدث صبيحة 13 أيار – مايو الحالي إثر اعتقال أحد الناشطين الإسلاميين والعاملين في خدمة النازحين السوريين بتهمة الإرهاب، ليختلط ملف اعتقاله بملف الموقوفين الإسلاميين بدون محاكمة منذ 2006 إثر أحداث فتح الإسلام ومخيم نهر البارد حيث كانت تجري اعتصامات ومطالبات متسلسلة لتسوية ملفهم إثر المحاكمة المريبة والعاجلة التي حكم فيها العميد فايز كرم أحد قياديي التيار العوني بتهمة العمالة لاسرائيل ومن ثم أطلق سراحه بسنتين مما أثار غضب الإسلاميين وأشعرهم بالاستهداف والمظلومية في ملف معتقليهم.  

  ما يجري اليوم في طرابلس يأتي في هذا السياق، ليختلط مع ملفات عديدة أهمها ما جرى في عكار إثر مقتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد حسين مرعب على أحد حواجز الجيش اللبناني إثر توجههما إلى أحد الاحتفالات وهما من العلماء المعروفين بنصرتهم للثورة السورية[18]، الأمر الذي وضع الجيش والحكومة في مواجهة الأهالي الغاضبين، زاد منه انكفاء الحكومة والقوى الأمنية في الدفاع عن المواطنين العكاريين في وادي خالد والحدود الشمالية تجاه الخروقات السورية النظامية المتكررة[19]، تلاها مؤخراً إطلاق سراح من كان متهماً بقتل الشيخين من العسكريين. كلها ملفات أمنية متشابكة ومزمنة على وقع انقسامات سياسية ومذهبية وطائفية حادة تنفجر بشكل غير بريء دفعة واحدة في وجه حكومة لم تستطع الحفاظ على وحدتها على الرغم من تشكلها من فريق سياسي واحد حليف للنظام السوري يريد رئيسها أن ينأى بحكومته عن تداعيات الحدث السوري الذي قرع أبواب مدينته بقوة هذه المرة.

كذلك أبرز هذه الظواهر اليوم ما يعرف بحالة الشيخ أحمد الأسير إمام جامع بلال بن رباح في صيدا والذي بدأ بتشكيل خطاب أخذ يستقطب بعض المؤيدين تدريجياً، يركز فيه على الدفاع عن أهل السنة في لبنان في مواجهة ما يعتبره غلبة حزب السلاح الممثل بحزب الله وهيمنته، وقد اعتبر تاريخ 7 أيار 2008 يوماً أسوداً في تاريخ لبنان لإذلال الطائفة السنية.

  يشكل خطاب الأسير محاولة استنهاضية في إطار البيئة الإسلامية السنية التي يعتبر شرائح عديدة من الفصائل السلفية الناشطة في أوساطها أن تيار المستقبل- بصفته ممثلاً رسمياً للطائفة- مقصرٌ في الدفاع عن مصالحها. إلا أن عدم أصالة الانتماء السلفي للشيخ الأسير وحداثة حركته لم تجعله يحصل على ما يشبه التزكية من كل التيارات السلفية، ولم تسعفه بعد في التحول إلى مرجعية أساسية لهم، وإن كان بدأ يحصل بشكل تدريجي على شيء من التعاطف والتأييد[20].

  تعود الأصول الفكرية والفقهية للشيخ الأسير إلى حركة التبليغ والدعوة أكثر مما تعود إلى التيارات السلفية، ومن المعلوم أن هناك خلاف في النظرة السلفية إلى جماعة التبليغ، فالعديد من مراجعهم الكبار ينتقدون منهجهم بشدة، على الرغم من عدم تبديعهم والسماح لهم بالدعوة في السعودية. اللافت أن جماعة التبليغ تتشدد في منع أعضائها من التحدث بالسياسة في لبنان، بل إن خطباء المساجد المحسوبين عليها لا يقتربون من المواضيع السياسية على الاطلاق، وهو ما يعترف به الشيخ الأسير معتبراً نفسه “حالة خاصة” ومستقلة[21].

  في الواقع أثارت خطب وتصريحات الشيخ الأسير في لبنان الكثير من ردود الأفعال، فهو لم يوفر في انتقاداته القيادات السنية أيضاً والتي وصف بعضها بـ “الانبطاحية” لأنها لم تدافع عن أهلها كما يجب، في المقابل مثلت فعل الصدمة بالنسبة للكثيرين لأنها قامت بتعرية المشهد السياسي وإعادته إلى مكوناته الطائفية والمذهبية، وهو على الرغم من القوة الاستنهاضية التي يتطلع إلى أن يمثلها خطابه في ظل الإنقسام السياسي الذي يشطر لبنان، فإنه لم يفعل ما يخالف القوانين ويحافظ على سلمية تحركاته والتي تركز على مسألة السلاح وهيمنة حزب الله على الدولة بحجة المقاومة والتداعيات الناتجة عنه.

  في الواقع يستمر السجال اللبناني على وقع الربيع العربي، وتستمر المعلومات بالتدفق حول مطالب من النظام السوري للحكومة اللبنانية بالمزيد من التشدد على الحدود بل حتى وفي الداخل تجاه الناشطين والمؤيدين للثورة السورية وهو ما يصر رئيس الحكومة على نفيه. ويدخل على خطه السفراء المعنيون من كل الدول، وليس ما جرى من سجال بين السفير السوري في لبنان والسفير السعودي حول الاتهامات بتمويل باخرة السلاح إلى سوريا والتي نفاها الرئيس اللبناني إلا نموذج من هذه السجالات، يبقى الأهم أن يبقى هذا السجال إعلامياً وسياسياً، وما جرى في طرابلس لا يؤشر إلى أية ضمانات في هذا الأمر، فما يتخوّف منه الجميع أن ينزلق هذا السجال وتتحول التناقضات السياسية الحادة على أبواب الانتخابات النيابية إلى صراعات أمنية تتفات إمكانيات السيطرة عليها وتهدد بالتالي الاستقرار القائم والذي جاءت محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع في سياقه وكأنها رسالة تحذير استباقية ومؤشر يتوقف عنده الجميع بعناية.

  التجاذب والصراع بين الأفرقاء اللبنانيين في تموضعه على الطوائف والمذاهب وفي امتداداته على تحالفات محورية في الخارج يجعل الساحة اللبنانية موضوعاً قابلاً للاشتعال من جهة وهو ما يفسر حذر الجميع في التمادي بالمواقف السياسية إلى حد القطيعة، وهو من جهة ثانية يجعل من لبنان ميداناً لاختبار موازين القوى بقدر ما هي تركيبة السلطة فيه انعكاساً لهذه الموازين. لذلك فرياح الربيع العربي الأكثر تأثيراً في لبنان هي التي تأتي بعد حسم ما يجري على أبواب دمشق وريفها.

 


[1] – خطاب السيد حسن نصر الله في 7 شباط/فبراير 2011.

[2] خطاب السيد نصر الله في 18 آذار 2011.

[3] خطبة العلامة يوسف القرضاوي في 11/3/2011.انظر الرابط التالي http://www.ssre.net/tag-%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC__Arabs_Got_Talent_-_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A99_-_11-3-2011-22.html

[4] ا- انظر كلمة رئيس المكتب السياسي للجماعة الاسلامية على الموقع الرسمي للجماعة :

 http://www.al-jamaa.org/play.php?catsmktba=2079

[5] خطبة العلامة يوسف القرضاوي في 25/3/2011. انظر الرابط التالي http://www.ssre.net/5957.html

[6] المرجع السابق. وقد جاء إعلان تلقزيون المنار التابع لحزب الله إن أطرافاً أعلنوا إمارة إسلامية سلفية على الحدود الشمالية للبنان ليصب في حملة التخويف التي يمارسها الإعلام الرسمي السوري ولكن بطريقة أكثر استفزازية في الأوساط الإسلامية السنية. جريدة الشرق الأوسط في 15مايو 2011. ايضا انظر الرابط التالي http://www.almasryalyoum.com/node/436688

[7] – خطاب السيد حسن نصر الله في الذكرى الحادية عشرة لتحرير الجنوب اللبناني 26/5/2011، جريدة الأخبار اللبنانية.

[8] – أنظر الرابط التالي: http://mtv.com.lb/News/70572

[9] – الاتهام الصريح الذي وجه إلى النائب الجراح حيث ظهر على التلفزيون السوري أحد المعتقلين يدلي باعترافات عن تلقيه تعليمات وأموالاً منه.

[10] – خلال الاحتفال بإعلان وثيقة تيار المستقبل (8 آذار/مارس 2012) جريدة المستقبل.

[11] – المرجع السابق.

[12] – وائل نجم: وثيقة سيدة الجبل، 28 تشرين الأول 2011، أنظر الرابط: http://www.afaknews.com/ar/Default.asp?ContentID=878&menuID=8

[13] – أنظر 23/1/2012، أنظر الرابط: http://www.qawlalhaq.com/showthread.php?t=3404&page=1

[14] – بين شيخ الأزهر والبطريرك الماروني، جريدة اللواء، 20 آذار 2012. أنظر الرابط: http://youkal.net/index.php?option=com_content&view=article&id=45850:2012-03-20-06-08-40&catid=49:2009-12-16-09-51-07&Itemid=119

[15] – شكل موضوع مصادرة باخرة السلاح قبالة الساحل اللبناني الموضوع الأبرز خلال الشهر الماضي والتي تضاربت الأنباء عد دور اليونيفيل في تتبع الباخرة وإرشاد أجهزة الأمن اللبناني إليها. أنظر الرابط: http://www.sana.sy/ara/3/2012/05/05/416930.htm

[16] – مراسل تلفزيون ال نيو.تي.في خلال تغطية مهمة صحفية على الحدود الشمالية للبناني بالقرب من وادي خالد. وقد أثار استشهاده ردود فعل كبيرة بين الإعلاميين وفي الأوساط السياسية.

[17] – أنظر الرابط التالي: http://www.naharnet.com/domino/tn/ArabicNewsDesk.nsf/getstory?openform&776516803E7F0C6AC22574BD00231411

 

[18] -  انظر جريدة النهار 9 تموز 2012 وذلك بعد اطلاق سراح الضباط المتهمين  على الرابط http://www.nowlebanon.com/Arabic/NewsArticleDetails.aspx?ID=417184&MID=58&PID=46

[19] – انظر جريدة المستقبل في 3 تموز – يوليو  2012 على الرابط http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=528793

[20] – يشكل الاعتصام السلمي المفتوح الذي بدأه الشيخ الاسير مع جماعته ضد هيمنة السلاح وحزبه في 20 حزيران – مايو 2012 في صيدا التحرك العملي الاول في مواجهة غير مباشرة وسلمية مع حزب الله وحركة أمل من خلال الشعارات المرفوعة في الاعتصام والذي اثار ردود فعل عارمة في لبنان ولا يزال مستمراً منذ أسابيع على وقع خطاب شديد اللهجة ضد السلاح والهيمنة المذهبية ..انظر للمزيد حول هذا الاعتصام على الرابط: http://www.elnashra.com/news/show/494154

[21] – في حديث على قناة الجديد اللبنانية بتاريخ 24/6/2012.

… في خلفية المشهد الطرابلسي وامتداداته

… في خلفية المشهد الطرابلسي وامتداداته

د. عبد الغني عماد

 

  كلما حضر موضوع طرابلس في الاعلام اللبناني تلازم مع حضوره صورة يلح البعض على إلصاقها بهذه المدينة وبعموم الشمال، حتى بات الذي لا يعرف حقيقة الأمور يظن فعلاً إن طرابلس باتت عاصمة الإرهاب .

  ومما يفاقم الأمور ويزيدها بؤساً إن بعض المحطات الإعلامية المغرضة تصرّ على استضافة النماذج الأكثر شعبوية وتركز على تظهير أقبح ما فيها مستبعدة المثقفين ووجوه الاعتدال على أكثر من صعيد. حتى ليبدو في المشهد العام وكأننا أمام مواقف عنصرية مبطنة تعتبر  التطرف والارهاب مكوّن سني طرابلسي بالفطرة؟؟ .

  ثمة حقائق يجري تزييفها وأباطيل يتم تركيبها مشحونة بالكراهية والحقد  في هذا “البيت ذي المنازل الكثيرة” كما يصف هذا الوطن المؤرخ اللبناني كمال الصليبي، ما يعنينا في هذا المقال مناقشة التطرف المذهبي والطائفي، فقد أصبح جميع زعماء الطوائف الذين أسسوا على مدى تاريخ لبنان أول الأحزاب الطائفية والمذهبية من المنظرين للوحدة الوطنية ولكن فقط حين يتناولون بالتحليل الإسلام السني في لبنان. الطائفيون والمذهبيون هؤلاء الذين يتربعون على رأس أحزاب مذهبية وطائفية يتناسون ان السنة هم الطائفة الأكثر التزاماً بالوحدة الوطنية و لم يتصرفوا يوماً خلاف ذلك طوال تاريخهم في لبنان، فقد كانوا دوماً “أهل الجماعة”، أي لم يعتبروا أنفسهم أقلية ضمن الأقليات في هذا الكيان، فقد كانوا الشريحة التي تمثل “الأمة” الحاملة لشعور الأكثرية تاريخياً واللاعبة لدور “الجماعة المركزية” في الدفاع عن الأمة والهوية، لذلك كانوا دائماً أكثر تحرراً من هواجس الشعور الأقلوي وما ينتج عنه من قلق وخوف وريبة تجاه الآخر. لقد كانت ساحتهم متحررة طيلة تاريخها من “فوبيا الأقليات” التي تفتقر إلى شعور الأمان الجمعي وينتابها رهاب الذوبان والإندماج وقلق الهوية.

  ثمة حقيقة أخرى تميّز الجماعة السنّية في لبنان في بنيتها التاريخية والثقافية، فهم سكان ثغور ومدن في الغالب الأعم، ولا يخفى ما لسكان الثغور في العالم الإسلامي من دور وفضل وأجر وتزكية، وهذا ما يجعل سُنة لبنان ينظرون إلى مسؤوليتهم التاريخية بإعتبارها تتجاوز الجانب الجهادي ببعده المادي لتطاول حراسة العقيدة والدعوة لها. إلا إن الوجه الآخر للصورة يتجلى في أن سكنهم في المدن والسواحل جعلهم مع الأيام أكثر إنفتاحاً على “الآخر” وأكثر مرونة في التعامل معه بحكم الإختلاط والتعارف والتفاعل مع عالم البحار وما وراءه وما يأتي عبره، من تجارة وروابط إقتصادية وخدماتية. الذهنية المدينية جعلت عروبتهم أكثر عقلانية وواقعية، بل أكثر تكيفاً وإستيعاباً وحداثة، وجعلت إيمانهم أكثر تفتحاً وإسلامهم أكثر تسامحاً وقبولاً للآخر. هذه الصورة المزدوجة، الجهادية والمدينية لا تعبر عن إنشطار في الشخصية السنية اللبنانية، بقدر ما ترسم حقيقة الإشكالية وحدودها. وعلى خلفية هذه الصورة المزدوجة ولكن المتكاملة يمكن تحليل المواقف والإتجاهات التي تعتبر بمثابة “محركات ذهنية”  للشارع السني وخاصةً للجماعات الإسلامية الناشطة في إطاره، بل حتى لجماعات الإسلام السياسي عموماً.

  والواقع إن الذاكرة السنية الجماعية تحفظ بفخر قصة الإمام الأوزاعي الذي تصدى بشجاعة الفقيه المجاهد لوالي دمشق الذي بدأ بتهجير المسيحيين وتوزيعهم على بلاد الشام، بحجة أن بعضهم خرج وتمرد على الحكم الإسلامي فيما عرف آنذاك بحركة “المنيطرة” عام 759م، أرسل حينها الإمام الأوزاعي له تلك الرسالة الشهيرة دفاعاً عن المسيحيين والتي أصبحت مثالاً أخلاقياً يسترشد به المسلمون والمسيحيون في لبنان، وفيها فتوى ترفض، وموقف يدين الظلم الذي يصيب “عامة” بسبب تصرفات قام بها “خاصة” وهو ما يخالف عدالة الإسلام. رسالة طويلة فيها من البلاغة الدينية والشجاعة الأدبية ما يجعلها بحق من الوثائق الحضارية المرجعية في الاجتماع الإسلامي لهذه المنطقة عموماً ولسنة لبنان خصوصاً.

  أما طرابلس التي يتحامل عليها بعض الحاقدين، فيقتطعون حادثة هنا أو يقتنصون واقعة هناك متناسين تاريخها الطويل في العيش الواحد الذي تحول مسار تاريخي وقناعة فكرية وممارسة حياتية لدى أهلها. يكفي أن نذكر كيف أن قاضي طرابلس قد حكم في نزاع بين أحد المسيحيين ومفتي المدينة حول ملكية أراضٍ تذرع المفتي بملكيتها استناداً إلى “فرمان شرعي مطاع من الخليفة” سنة 1728 لصالح الأول الذي أثبت ملكيته شرعاً. يكفي أن نذكر كيف أفتى مفتي طرابلس محمد كامل الزيني تلك الفتوى الشهيرة بعدم الجواز بالصلاة في الجامع الأسعدي الذي دار حوله الخلاف في محلة التربيعة والذي بني في أحد أجزائه على أرضه لعائلة مسيحية. وتحتفظ هذه العائلة بنسخة من هذه الفتوى حتى اليوم. يكفي أن نذكر إنه يوم انفجر الاقتتال الطائفي في جبل لبنان عام 1860 رفض علماء وفقهاء المدينة الإنجرار إلى الفتنة، بل حاربوا ومنعوا، ما يعكر صفوة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين من أهلها، وأرسل في ذلك الحين كبير علماء المدينة الشيخ محمد رشيد الميقاتي أبناءه ليلاً لحراسة دور المسيحيين ومنع “ذوي الجهالة” من التعرض لها واقتدى به من اقتدى فيما بعد. تلك الأيام السوداء التي شهدت مجازر 1840 و 1860 والتي بقيت طرابلس بمنأى عنها رغم امتدادها إلى دمشق ومناطق أخرى خارج جبل لبنان بفضل هؤلاء الرجال وهذه الثقافة.

  هذا التراث المتراكم من العيش المشترك وروح التسامح والتعاون وحسن الجوار كان عاملاً رئيسياً في تحصين المدينة والشمال من امتداد النزاع الطائفي إليه في تلك السنوات السوداء من تاريخ لبنان.

  لهذه الأسباب وتأسيساً على ما سبق وفي سياق النقاش الذي دار إعلامياً حول هذا الأمر، تصبح طرابلس أبعد ما تكون عن التطرف والمذهبية وهي ما هي فرطت بدورها يوماً كعاصمة للعيش الواحد في الشمال ولبنان، فهذه الثقافة ليست ثقافة عابرة في تاريخ مدينتنا وليست ثقافة مصطنعة فرضها حاكم أو استوردتها سلطة، إنها في الحقيقة نسيج صنعه الأجداد تبلور في علاقات يومية، وفي ممارسات تاريخية، تراكمت فأصبحت نمط حياة وعيشاً واحداً مشتركاً في السراء والضراء. هذا العيش الواحد لم يصنع فوق على مستوى السلطات، بل صنع أولاً بين الناس في الأحياء والحارات والأزقة، في الأسواق والحرف والتجارة والأعمال، في العادات والتقاليد، تلك هي الأطر التي صنعت عيشنا الواحد، وحصنته على مدى الأيام وحمته من جنون متطرف، أو من إنحرافات فكرية أو سياسية آنية أو ظرفية تنمو على ضفاف الحقد والكراهية هنا أو هناك.

  لسنا ندعي أن طرابلس جنّة من جنّات العيش الواحد، اليوم أو بالأمس، إلا أننا ندعي وبفخر إن هذه المدينة بأكثريتها السنية حافظت على مرّ تاريخها على ثقافة أساسها الاعتدال والانفتاح والعيش الواحد، ولن يشوّه تاريخها إدعاء باطل من هنا أو ممارسات ظرفية تسببت بها الحرب المجنونة في مراحل معينة.

  على خلفية هذه الصورة، واستناداً على هذه المرجعية الثقافية الإسلامية لأهل السنة في لبنان يمكن تحليل وفهم أبعاد الكثير من النقاشات الراهنة، والمحزن إن بعض الأجهزة الأمنية لا يزال يقارب الملف الإسلامي بعقلية أمنية بحتة، وهذه المقاربة الموروثة منذ أيام الوجود السوري في لبنان والتي تعود الى أعوام 1985و1986 ما كان يجب أن تستمر، فهي أنتجت الكثير من العنف والمظالم، والأخطر إنها أنتجت رؤية ثقافية من إنتاج وتسويق المؤسسة الأمنية تجاه الظاهرة الإسلامية في لبنان، وللأسف الشديد يجري إعادة النفخ اليوم بهذه الثقافة المشوهة والموروثة على وقع الانقسام السياسي الذي يعيشه لبنان، على الرغم من إن المؤسسة الأمنية اللبنانية ليست مسؤولة عنها تاريخياً وليست مضطرة أن تحمل على كاهلها عبء ذلك الملف المحمل بالكثير من الدماء والضحايا والمفقودين حتى اليوم .

  وعليه لم يكن مفهوماً أن يستمر ملف الموقوفين الإسلاميين طيلة هذا الزمن بدون محاكمة مهما كانت المبررات في الوقت الذي حوكم فيه عملاء اسرائيل وصدرت بحقهم الأحكام المخففة وخرج بعضهم ؟؟؟ ازدواجية المعايير هذه عبء ثقيل على كاهل القضاء كما على كاهل الأجهزة الأمنية التي تجد نفسها امام وقائع محرجة كما في واقعة اعتقال شادي مولوي والطريق التي تمت بها.

  وقد جاءت حادثة مقتل الشيخين احمد عبدالواحد ومحمد مرعب في لحظة دقيقة لتشكل منعطفاً خطيراً ينبغي أن يشكل وقفة جدية لمراجعة النفس والتخلي عن رواسب تلك الرؤية وإعادة صياغة العلاقة مع البيئة الحاضنة للجيش على أسس جديدة كما كانت يوم واجه الارهاب جنباً إلى جنب مع شعبه وأهله في مخيم نهر البارد .

  الأكثر غرابة والذي يدعو للريبة هو التعاطي الأمني مع ملف القاعدة فمن وزير يؤكد الى آخر ينفي الى تقرير سوري يرفع لمجلس الأمن يرد عليه رئيس الحكومة إلى مواقف من فريق سياسي مشارك بالحكومة تؤيد ذاك التقرير… ألا يدل كل هذا على إن هذا الملف أصبح ملفاً مسيساً بامتياز.   

  والواقع اليوم وكما بالأمس الخطاب السياسي في لبنان متطيّف ومتمذهب، ولا ذنب للسنّة بذلك، بل ربما يمكن القول إنهم ضحية هذا الخطاب قبل غيرهم، وهم أصحاب المصلحة قبل غيرهم في بناء خطاب وطني ديموقراطي حديث يلتزم بالعروبة الحضارية، لذلك هم دائماً أقرب إلى مشروع الدولة منهم إلى مشروع الدويلات والميليشيات، وهم أكثر من قدموا الشهداء في سبيل هذا الهدف، وها هم يضيفون اليوم على لائحة الشرف شهداء جدد من علماء المؤسسة الدينية .

 

الوحدة العربية من منظور إسلامي بقلم الدكتور عبد الغني عماد

الوحدة العربية من منظور إسلامي*

الدكتور عبد الغني عماد

 

  من منظور إسلامي أو من أي منظور آخر، ليس الحديث عن الوحدة العربية ترفاً في غير أوانه. إنه في الحقيقة حين نمعن التفكير ونعطي لبصيرتنا مداها المعرفي والتحليلي اللازم تتكشف أمامنا الضرورة الحضارية والثقافية والتنموية والاجتماعية لمثل هذا الحديث.

  قد لا نختلف على توصيف واقع حال أمتنا بين الأمم اليوم، لكننا بطبيعة الحال لا نزال نجد العديد من الأجوبة مطروحة على العقل العربي للخروج من المأزق الحضاري. ولا يزال أقوى هذه الأجوبة منذ بدء عصر النهضة يتمثل بوحدة “الأمة” سواء كانت هذه الوحدة على المستوى الإسلامي أم على المستوى العربي، إلاّ أن السؤال الإشكالي الذي قضّ مضاجعنا بقي بلا جواب: “ما الذي يحوّل هذه الوحدة من طوبى جامحة وحلم رومانسي يداعب أحلامنا وخيالنا، إسلاميين أو قوميين، إلى مشروع حضاري واقعي وعملاني يعيش العصر وحداثته ولا يقبع في الخيال المستديم؟

  تشكل مسألة الوحدة العربية وكافة مفردات الخطاب التي تولدت عنه أحد أكثر المحاور إثارة للنقاش بين كافة التيارات الإيديولوجية والسياسية في الوطن العربي، كل منها كان يريد أن يشحنها بمضامين فكرية وإيديولوجية تتناسب ومنطلقاته الخاصة، وتقدم مداخلتي مقاربة سياسية ونقدية معاصرة مبتعدة قدر الإمكان عن القراءة المأدلجة وعن الاسقاطات التاريخية والنظرية.

  فالمنظور الإسلامي السياسي المعاصر لم يقدم موقف واحد تجاه هذه القضية بحكم تعدد الاتجاهات والمدارس داخل هذا التيار، فالسيد رشيد رضا الذي يعتبر أباً روحياً لحسن البنا لم يكن يرى تناقضاً بين العروبة والإسلام، بل هو ذهب عند اشتداد التنافر التركي العربي أبعد من ذلك، فلم يتوانَ عن دعم الحركة المطالبة بإقامة دولة عربية مستقلة تجمع الجزيرة العربية مع الأمصار العربية الواقعة تحت السيطرة العثمانية. في إطار هذا التصالح بين العروبة والإسلام، تبلور فكر حسن البنا عند نظرية “الحلقات” التي تشكل العمود الفقري في رؤيته للمسألة القومية، إذ إن مشروعية كل واحدة من هذه الحلقات تُستمد من تكاملها وقابليتها للتفاعل مع بعضها، والواقع إن نظرية “الحلقات” هذه ليست بدعة حسن البنا الخاصة، فابن باديس المصلح الجزائري الديني كان أحد منظريها الأوائل، وعبد الناصر كان من رعاتها الكبار ولو بالكثير من التعديل، والنصوص الأخوانية المعاصرة أدخلت عليها تعديلات لتلاءم منطوق العصر.

  تتشكل نظرية الحلقات حسب البنا من أربع دوائر: القطرية أي المصرية، والقومية أي العربية، والعقيدية أي الإسلامية، والإنسانية أي العالمية[1]، فعنده الإسلام لا يتعارض مع الوطنية، بل إن المسلم أعمق الناس وأعظمهم نفعاً لوطنه. لكن هذه الوطنية مرفوضة إذا أغلقت الباب على نفسها. أما القومية غير المجسدة في عقيدة إسلامية فهي لا تعني سوى خروج عن الإسلام والعروبة في آن، وعودة إلى عادات جاهلية، لذلك ينادي بانصهار عربي عربي بمضمون إسلامي، أما الحلقة الثالثة العقيدية فهي المرحلة الأقدس لأن الفكرة الإسلامية تحققت بها، عبر تعميم اللغة العربية وتوحيد السلطة السياسية، أما الحلقة الرابعة ففيها يرى إن الأخوان مدفوعون بهذه الأمانة يريدون الخير للعالم كله، لذلك ينادون بالوحدة العالمية. أما صيغة الوحدة هذه فلن تتحقق إلا بجهاد يقوده المسلمون بقيادة العرب لنشر دعوة الإسلام في العالم كله[2].

  في مرحلة الستينات بدأت بعض معالم الخطاب الإسلامي تتغير، فقد بلغ الصدام بين القوميين والإسلاميين أشدّه فبرزت كتابات تشحن مفاهيم الوحدة والقومية بمضامين ماركسية واشتراكية وعلمانية من جهة، وأيضاً انتشرت بين الاسلاميين أفكار سيّد قطب وأهمها ما صدّره في “معالم في الطريق”[3] عام 1962 الذي أعلن فيه أن المجتمعات القائمة اليوم كلها جاهلية شبيهة بتلك التي كانت قائمة قبل الإسلام[4]. في إطار هذه المنظومة الفكرية الجذرية ينظر سيد قطب إلى كل الروابط والحلقات التي سبق وتحدث عنها البنا بلا مبالاة فيقول: “جاء الإسلام.. ليرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، وشائج اللحم والدم، فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله.. ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضواً في الأمة المسلمة في دار الإسلام” ويضيف إنه من النتائج الباهرة للمنهج الإسلامي هي إقامته المجتمع الإسلامي “على أساس العقيدة وحدها دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة الحدود الإقليمية السخيفة[5] ويضيف لمزيد من التوضيح والحسم، “لم تكن هذه الحضارة يوماً ما “عربية”، إنما كانت دائماً إسلامية، ولم تكن يوماً قومية إنما كانت دائماً “عقيدية[6] هكذا يقدم قطب قراءة مناقضة للوطنية و”القومية” وسائر الروابط الأخرى “فلا جنسية إلا جنسية العقيدة” و”لا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله“، وهكذا تتكسر حلقات البنا، لصالح خطاب يقيم علاقة صراعية بين القومية والوطنية، بل وحتى مع العروبة.

  والواقع أن هذا الخطاب القطبي لعب دوراً هاماً وسط جيل من الشباب المسلم، وتأثّرت به العديد من الفصائل الإسلامية المعاصرة، ولا يزال ما يسمّى اليوم بالاتجاهات السلفية الجهادية تتبنى الكثير من مضامين هذه الرؤية، باعتبارها للإسلام دعوة متجاوزة للقوميات والعرقيات والواجب يقتضي محاربتها. والواقع أن التيارات والجماعات الإسلامية تفاوتت في مواقفها من هذه المسألة إلا أنها في السبعينات والثمانينات تجد نفسها في مواجهة فكرية مع مشروع الوحدة العربية بسبب الشعار الذي رفعته وهو شعار “الدولة الإسلامية” وليس الوحدة الإسلامية، وإلحاحها على شعار الإسلام هو الحل وموضوعه تطبيق الشريعة الذي أدخلها في صراعات مع السلطات الحاكمة من جهة ومع قوى التغيير ذات المنحى القومي والمدني والعلماني على المستوى الداخلي والقطري.

  وقد شهدت الساحة العربية في تلك المرحلة سجالاً قوياً حول إشكالية العلاقة بين العروبة والإسلام، وتعالت الدعوات للحوار بين التيارين القومي والديني، كونهما لا يزالان الأكثر فعالية في مواجهة أعداء الأمة والأكثر قدرة على تفعيل مشروع الوحدة. وبالفعل لعبت أقلام المفكرين المتنورين من كلا الاتجاهين دوراً هاماً في التخفيف من حدّة الصراع، وقدمت اجتهادات من قبل منظرين إسلاميين كبار لتأصيل فكرة “المواطنة” وقضية “الجهاد والمقاومة” و “الديمقراطية” و “مشاركة المرأة” و “المجتمع المدني” وغيرها من القضايا. كذلك جرت على مستوى المفكرين القوميين مراجعات هامة وقدمت إسهامات نقدية جريئة، وقد كان لمركز دراسات الوحدة العربية دور ريادي وهام في هذه العملية من خلال إطلاقه للندوة الفكرية الأولى للحوار القومي الديني والتي عقدت في بيروت وضمت حوالي خمسين مفكراً من التيارين عام 1989، وتلتها الندوة الثانية في الاسكندرية عام 2007، والتي كان لي شرف المشاركة فيها، وقد كان لهذا الفعل الريادي أن فتح الطريق للتخفيف من الفجوة بين أهم تيارين سياسيين وفكريين في الوطن العربي، هما أحوج ما يكونان للتساند في هذا الزمن الصعب، وهذا ما تبدى بشكل واضح مع تأسيس “المؤتمر القومي – الإسلامي” الذي أنجز الكثير من معطيات التفاهم المشترك حول (فلسطين، العراق، الأمن القومي، المقاومة، حقوق الإنسان) تعاون لا يزال ينتظره الكثير. وليس معنى ذلك أن القضايا الخلافية ذللت كلها، فذلك عدا عن أنه لم يكن متصوراً، لم يكن ممكناً، لكن المهم أن الكثير من القضايا جرى تقريبها، وأثبتت التجربة أنه بالإمكان بالمزيد من الجهود العمل على المزيد أيضاً. والأهم من ذلك أنه في هذا المناخ برز تيار وسطي فكري عروبي إسلامي على المستوى العربي، أخذ يمارس تأثيراً فكرياً متزايداً منذ ذلك الحين[7]، دون أن يعني ذلك أن بعض التيارات الفرعية داخل كل فريق لا زالت تعيش “أصوليتها” وفق قراءتها لنصوصها.

  ربما تكون المراجعات النقدية حول المضمون الإيديولوجي لقضية الوحدة قد تم تناولها مبكراً، فموضوعات مثل العلاقة بين العروبة والإسلام والعلمانية وغيرها أسالت حبراً غزيراً بين القوميين أنفسهم وبينهم وبين الاتجاهات الإيديولوجية الأخرى في الوطن العربي. وقضية الفصل والقطع بين العروبة والإسلام لم تكن خاصية الفكر القومي الكلاسيكي حصراً، بل إن الإحيائية الإسلامية بكافة تمظهراتها الحركية المعاصرة ذهبت هذا المذهب معتبرة العروبة نوعاً من العصبية الجاهلية.

  ولسنا في هذا الصدد نريد استعادة عناصر اشتغال ذلك السجال، والذي سبق وأظهرنا بعض عوارضه، إلا أن ما نريد الإشارة إليه تلك القراءات الجديدة والنقدية التي بدأت تطرح نفسها بالحاح في أدبيات الفكر العربي الجديد مقدمة منظومة تحليلية مختلفة تعي العلاقة كما هي تاريخياً وموضوعياً ليس بحسبانها وعياً إيديولوجياً يجري استدخاله على واقع آخر.

  وإذا كانت اللحظة التأسيسية لفكرة العروبة السياسية جاءت كرد فعل على محاولات التتريك والاستعلائية القومية داخل الدولة العثمانية، فإن تبلور الوعي القومي العربي لم يكن في أي لحظة في علاقة تضاد مع الإسلام، وما شهدنا مزاحمة أو تنافس بينهما على الرغم من أن أوروبا الاستعمارية حينها كانت تتهيأ لوراثة “الخلافة الإسلامية” العثمانية، لكن ما شهدناه نوع آخر المزاحمة تدور حول أي “آخر” نقاومه أولاً، الأوروبي أم التركي؟ وبالتالي أي السلاحين يجب أن نحرك في البداية: سلاح العروبة أم سلاح الإسلام؟ فالثنائية إذاً وفقاً لتحليل محمد عابد الجابري[8] لم تكن على صعيد الهوية، والتقابل لم يكن تقابلاً ماهوياً، بل كانت على مستوى الأداة التي ينبغي تحريكها للدفاع عن الهوية وحمايتها. في المقابل فإن هذه الإشكالية لم تكن مطروحة في المغرب العربي، فلم تكن هناك أية ثنائية، لأن “الآخر” كان واحداً وهو الأوروبي وليس غيره، وكان من جملة استهدافه تنصير “الأهالي” مركزاً على البربر منهم، لذلك جاء ردّ الفعل الوطني مزدوجاً: إسلامياً ضد التنصير والتبشير، وعربياً ضد السياسة البربرية. وإذا أضفنا الى هذا خلو المغرب العربي من التعددية على صعيد الدين، أدركنا كيف أصبحت العروبة والإسلام في المغرب يحيلان إلى شيء واحد هو الهوية الوطنية.

  إلى ماذا يفضي هذا التحليل السوسيوتاريخي الذي ذهب إليه العديد من المفكرين العرب في مراجعاتهم القومية الجديدة[9]؟ إنه يؤول بلا شك إلى تفكيك تلك الإشكالية الثنائية بحسبانها حالة خاصة وظرفية مرتبطة بمثنوية “الآخر” بالنسبة للمشرق العربي (الأوروبي والتركي)، ولم تكن نابعة من تمزّق على صعيد الهوية القومية. وقد كان من ثمار ذلك أن المجال السياسي المغاربي، كما يلاحظ بلقزيز، لم يشهد ظاهرة الأحزاب القومية إلا لماماً على الرغم من ثقل وقوة الفكرة القومية العربية في الحياة السياسية والثقافية، والسبب أن الفكرة العربية لم تتمذهب أو تتحول إلى عنوان لفريق دون غيره، مقابل الفكرة الإسلامية مثلاً، بل ظلت هذه الفكرة تعني الماهية أولاً، والرأسمال الجماعي الذي يتقاسمه الجميع: أفراداً وأحزاباً، ثانياً…

  يفضي هذا التحليل على المستوى السوسيومعرفي أيضاً إلى المزيد من الضبط في جهاز المفاهيم المستخدم إيديولوجياً وسجالياً، ذلك إن التشديد على التلازم العضوي، والعلاقة الجدلية بين العروبة والإسلام لا يذهب إلى مطابقة معنى ومجال الأمة العربية على معنى ومجال الأمة الإسلامية، لأن القومي حقيقة سوسيولوجية وثقافية وتكوين تاريخي وحضاري، فيما الإسلام عقيدة جامعة فوق القوميات وتحتويها لأنها أوسع فضاء منها. وبالتالي فإن مفهوم الأمة الإسلامية ينتمي إلى القاموس الروحي بقدر ما ينتمي مفهوم القومية إلى القاموس السياسي والسوسيولوجي[10].

  لا تثير هذه المقاربة الجديدة، رغم تشديدها على الترابط العضوي بين الإسلام والعروبة تساؤلات كثيرة عن موقع العرب غير المسلمين في قومية يمثل الإسلام فيها الروح والجوهر، إلا بالقدر الذي يغيب فيه أي شكل من أشكال العلمنة على مستوى التطبيق والممارسة. وقد أثار هذا الموضوع كثيراً من الجدل والسجال منذ لحظة التأسيس، فالعروبة النهضوية العلمانية قطعت مع الإسلام، والعروبة الجديدة الحضارية لازمته وانجدلت به وقطعت أو تكاد مع العلمانية الكاملة، والمراجعات في هذا الموضوع لا تزال حذرة ومرتبكة وانقسامية، على أن القراءات والمحاولات الجادة التي تشهدها ساحة الفكر العربي لتطوير كتلة المفاهيم الحديثة الخاصة بالدولة والمجتمع والقانون والسيادة والتشريع، استناداً إلى البيئة العربية والاسلامية المعاصرة، أخذت تثمر، وإن كانت لا تزال في بداياتها.

  إلا أن التطور الأهم في هذا المجال هو إعادة إنعاش، بل فلنقل استدخال مفهوم الديموقراطية في بنية الخطاب الوحدوي العربي والإسلامي المعاصر، فالتجربة أفادتنا أن حب السلطة كان على الدوام أقوى من حب الوحدة بالنسبة للقوميين والإسلاميين على السواء، فتاريخ الدولة في بلادنا يكاد يختزله الصراع على السلطة فيها، وهو صراع بطبيعته لا يتوقف إلا بالاستحواذ على المزيد منها. وفي مجتمع الدول اليوم يبقى قانون تراكم السلطة بالضرورة أسير حدود الدولة، يمارس مفعوله عمودياً، الأمر الذي يؤدي إلى توطيد دعائم الأنظمة الاستبدادية، وإلغاء الحريات العامة وإحلال أنظمة الطوارئ، وقيام أنظمة الحزب الواحد التي تسبّح بحمد الحكام الطغاة وبأمرهم. وهذا المناخ كان أحد المصادر الرئيسية المغذية لعمل قانون التجزئة ونظامها.

  تغيّر الحال اليوم، وها نحن نجد شباب أمتنا، يكسرون زمن الصمت ويحطمون جمهوريات الخوف، وليس ذلك إلا من ثمار الخيار الديموقراطي الذي كسب المعركة نظرياً، فمراجعات الكثير من الإسلاميين وكذلك القوميين أكسبته قوة دافعة وحيوية دافقة، ويكفي أن نقف أمام درس الاتحاد الاوروبي الذي ما تعززت واستمرت وحدته إلاّ بالديموقراطية. هو درس جديد إذ يتلخّص في أن احتمالات الوحدة تتزايد طردياً في ظل الأنظمة الديمقراطية، كما أنها تتناقص عكسياً في ظل الأنظمة المغلقة والاستبدادية بما يعيدها إلى ولاءات ما قبل الأمة.

  خلاصة القول إننا أمام إرهاصات جديدة بكل معنى الكلمة، تؤسس لانطلاقة الاتجاه الوحدوي العربي الجديد الذي ينحو إلى إبراز التداخل الكبير بين الرأسمال الرمزي الثقافي والرأسمال السياسي والرأسمال الاقتصادي، هذا التداخل الذي أصبح اليوم من مسلمات العلوم الاجتماعية الحديثة. والاتجاه الوحدوي العربي الجديد يقارب موضوعه اليوم مستنداً بذلك الى مراجعات نقدية جادة، خففت كثيراً من المحمول الايديولوجي الذي أثقل كاهله، وحوله من ماهية وجوهر إلى تمذهب وتحزب، وأغرقه في التبرير والكلام بالحيثيات، وجعله فقيراً في التخطيط والبحث عن الكيفيات. مع ذلك لا نزال نحتاج إلى المزيد النوعي لا الكمي. القليل من الإيديولوجيا والكثير الكثير من الإستراتيجيا، القليل من النظريات والكثير من البرامج والمنهجيات، كل ذلك أكثر فائدة للوحدة من أي جدل إيديولوجي عقيم، وإلا انطبق علينا المثل الصيني الشائع عن ذاك الذي تدله على موقع القمر في السماء فينظر إلى الأصبع؟


* – مداخلة قدمها الباحث في جامعة الجنان بتاريخ 16/4/2011 ضمن أعمال المؤتمر الذي نظمته الجامعة تحت عنوان “الوحدة العربية من منظور إسلامي“.

[1] – حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام الشهيد، المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر، 1984، ص261.

[2] – المرجع السابق: ص43.

[3] – سيد قطب: معالم في الطريق، دار الشروق، ط10، 1983.

[4] – المرجع السابق: ص98.

[5] – المرجع السابق: ص58.

[6] – المرجع السابق: ص61. وهو يلح في صفحات الكتاب العديدة على تأكيد هذه الفكرة وتكرارها. مثل إن الجنسية التي يريدها الإسلام هي جنسية العقيدة (ص29) كذلك أنظر ص33 و 35 وغيرها. ولمزيد من التحليل عالجنا هذا الموضع بتوسع في كتابنا، عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه، قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، بيروت، دار الطليعة، ط2،2005.

[7] – حول تنامي الوسطية والفكر الوسطي أنظر كتابات الدكتور محمد عمارة ويوسف القرضاوي وفهمي هويدي وراشد الغنوشي وأحمد كمال أبو المجد وطارق البشري ومحمد سليم العوا وغيرهم.

[8] – محمد عابد الجابري: مسألة الهوية، العروبة والاسلام… والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص41-42.

[9] – أنظر أيضاً بنفس الاتجاه: عبد الإله بلقزيز: من العروبة الى العروبة…، المرجع السابق، ص162-163.

[10] – ربما من الانصاف القول إن عصمت سيف الدولة كان أبرز المفكرين القوميين العرب الذين عالجوا هذا الجانب بتميز وعمق. أنظر كتابه: عن العروبة والاسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986.

%d bloggers like this: